بقلم: جوناثان أوستري

(بلغات أخرى English)

جاءت الأزمة المالية العالمية لتُذَكِّر اقتصادات الأسواق الصاعدة، إذا كانت تحتاج إلى التذكرة، بأن التدفقات الرأسمالية يمكن أن تكون شديدة التقلب وأن الأزمات لا تنشأ في الداخل بالضرورة.

وقد تأثرت الأسواق الصاعدة بوسائل متعددة، ليس أقلها الارتفاعات والانخفاضات الحادة في أسعار الصرف من جراء التدفقات الرأسمالية المتقلبة.

وربما كانت هذه الارتفاعات والانخفاضات أكثر ضرراً على الاقتصادات الصاعدة منها على الاقتصادات المتقدمة، وذلك لعدد من الأسباب:

  • أولاً، ربما تكون الميزانيات العمومية أكثر هشاشة في الاقتصادات الصاعدة ـ أي أقل تمتعاً بالحماية من مخاطر العملة ـ مما قد يجعل انخفاضات أسعار الصرف تولِّد عسراً مالياً يصل إلى حد الإفلاس والآثار المعاكسة على النشاط الاقتصادي.
  • ثانياً، قد تكون الاقتصادات الصاعدة أقل مرونة، بحيث يترك ارتفاع سعر الصرف وفقدان تنافسية السلع التجارية آثاراً دائمة على الاقتصاد حتى إذا عاد سعر الصرف إلى مستواه السابق فيما بعد.

ويعني هذان العاملان أن الأسواق الصاعدة من المرجح أن تهتم كثيراً بتقلبات أسعار الصرف، وكذلك باستقرار الاقتصاد الكلي والحفاظ على مستوى منخفض للتضخم. وهذا هو أحد الأسباب التي أدت بعدد من هذه الاقتصادات إلى تبنى أطر استهداف التضخم في السنوات الأخيرة للاسترشاد بها في سياستها النقدية.

والسبب في أهمية استهداف التضخم هو أنه يمكن أن يؤدي إلى تثبيت التوقعات التي ربما فقدت ركيزتها في فترات سابقة كان التضخم المرتفع أو حتى المفرط هو السائد فيها.

ولكن هل يتفق استهداف التضخم مع التركيز على سعر الصرف؟

أهداف متضاربة؟

لعلك تظن أن هناك تعارضاً بين الاثنين! فاستهداف التضخم يعني أن أداة سياستك النقدية ـ وهي سعر الفائدة الأساسي ـ يجب تعديله كلما انحرف التضخم عن المسار المؤدي إلى الهدف. فإذا كان التضخم يبدو موشكاً على الخروج من نطاق السيطرة فى الوقت الذى يتسم فيه سعر الصرف بدرجة كبيرة من القوة، فإنه لا داعى للانشغال بسعر الصرف وأنت تحدد السياسة النقدية.

وفي المقابل، إذا كان الاقتصاد في حالة ركود وكثير من الشركات بدأت تتضرر من تأثيره، ينبغي تخفيض أسعار الفائدة لكي يعود التضخم إلى الارتفاع نحو مستواه المستهدف، وإن تسبب هذا في مزيد من المشكلات للشركات التي تتحمل ديوناً مقومة بالدولار أو اليورو دون التحوط للمخاطر المصاحبة. وإزاء هذه السيناريوهات، استنتج البعض أن استهداف التضخم لا يتفق مع التركيز على سعر الصرف، لأنه بشكل عام لا يمكن استهداف التضخم وسعر الصرف معاً من خلال تعديل سعر الفائدة الأساسي.

هل يمكن الجمع بين الاحتفاظ بالكعكة وأكلها؟

سوف يفيد بالتأكيد إذا كانت هناك أداة أخرى يستطيع صناع السياسات استخدامها ـ مثل التدخل في سوق النقد الأجنبي (عن طريق عمليات الشراء والبيع الرسمية للدولار مقابل العملة المحلية). وفي مثل هذه الحالة، تكون لدى صناع السياسات أداتان (التدخل في سوق النقد الأجنبي وسعر الفائدة الأساسي)، وهدفان (سعر الصرف ومعدل التضخم)، وهو ما يجعل الأمور أسهل بكثير. فهل هذا هو الوضع القائم؟

في البداية، ينبغي أن ننظر إلى إجراءات صناع السياسات في اقتصادات الأسواق الصاعدة، بدلا من الاستغراق في نقاش نظري. فهذه الإجراءات تشير بوضوح إلى أن الأسواق الصاعدة تعتقد أن بإمكانها التأثير على أسعار الصرف من خلال إجراءات السياسة. ذلك أن أسعار الفائدة والتدخل في أسعار الصرف تستجيب دائما للفترات التي تتسم بأسعار الصرف المفرطة في القوة أو المفرطة في الضعف، ويبدو أن صناع السياسات يقفون ضد اتجاه الريح حين تبتعد أسعار الصرف عن المستويات التى تتماشى مع محدداتها الأساسية فى المدى المتوسط.

وبالطبع، يمكن أن تكون إجراءات صناع السياسات من قبيل الضجيج الأجوف، وأن لا تؤدي في نهاية المطاف إلى التخفيف من حدة الارتفاعات والانخفاضات في أسعار الصرف. وهنا تبدو الأدلة متباينة، لكنها أفضل بلا شك في حالة اقتصادات الأسواق الصاعدة إذا ما قورنت بالاقتصادات المتقدمة (الأكثر اندماجاً في الأسواق العالمية، ومن ثم الأقل قدرة بكثير على التأثير في أسعار الصرف حين يتخذ البنك المركزي إجراءات لبيع العملة الأجنبية أو شرائها).

البحث عن المستحيل

في دراسة صدرت مؤخرا، استنتجت ـ ومعي المؤلفان المشاركان آتيش غوش وماركوس شامون ـ أن لدى البنوك المركزية في الأسواق الصاعدة أداة ثانية بالفعل (التدخل في سوق النقد الأجنبي، بالإضافة إلى سعر الفائدة الأساسي) يمكن استخدامها في إدارة كل من التضخم وأسعار الصرف.

والأهم من ذلك أن استخدام هذه الأداة الثانية من المرجح أن يعزز مصداقية البنوك المركزية وليس الانتقاص منها. ويرجع ذلك إلى أن سعر الصرف حين يبتعد كثيراً عن المستوى المتسق (بالنسبة للمحددات الأساسية على المدى المتوسط، ومن منظور متعدد الأطراف، وليس من منظور أحادي)، يصبح الإصرار على عدم الاعتراف بواقع الحال أمراً غير مقبول. وبالتالى يكون من الأفضل تعديل أداتي السياسة السابق ذكرهما سعياً لتحقيق الهدف المزدوج.

وقد بدأت فكرة استخدام عدد أكبر من الأدوات لمعالجة المشكلات الاقتصادية تكتسب رواجاً متزايداً في أعقاب الأزمة المالية، مما أوضح قصور الرؤية الضيقة التي تجعل حفاظ البنك المركزي على استقرار الأسعار الاستهلاكية هو المعيار الوحيد للحكم بأن الأمور كلها تسير على ما يرام.

وينبغي أن يعمل صناع السياسات على استهداف جوانب متعددة في الأداء الاقتصادي، واستخدام نطاق واسع من الأدوات المتاحة (بما في ذلك التنظيم الاحترازي الكلي، وضوابط رأس المال، إلخ) لتحقيق الاستقرار المالي الكلي.

التدخل ليس أحادي الاتجاه

هل التدخل في سوق النقد الأجنبي بلا تكلفة؟ بالطبع لا، وينبغي أخذ التكاليف في الاعتبار (سواء التي يتحملها البلد المعني أو النظام ككل).

ولذلك نجد، على سبيل المثال، أن الاستجابة المثلى للصدمات المؤقتة لا تنطوي أبداً على تدخل مستمر أحادي الاتجاه في سوق النقد الأجنبي (الأمر الذي يمكن أن يكون باهظ التكلفة)، وإنما تبدأ بعمليات شراء رسمية للنقد الأجنبي (في حالة الصدمات الإيجابية) ثم عمليات بيع لهذا النقد (فى حالة الصدمات المعاكسة)، الأمر الذى يؤدى على المدى الطويل إلى عودة الاحتياطيات الأجنبية إلى المستوى الذي كانت عليه في البداية.

وبطبيعة الحال، إذا كانت الصدمات دائمة، ينبغي أن يكون الإجراء الذي يتخذه البنك المركزي ببساطة هو مجرد السماح لسعر الصرف بأن يتعدل وفقاً للظروف. ونرى أيضاً أنه، عن طريق تثبيت قيم العملات حول مستويات المدى المتوسط التي تراعي الاتساق من منظور متعدد الأطراف، فإن استخدام أداة التدخل في سوق النقد الأجنبي من المرجح أن يقربنا من محصلة تقوم على التعاون العالمي منه إلى قرار بالتوقف عن استخدام هذه الأداة.

وفي خلاصة بسيطة: أداتان أفضل من أداة واحدة