بقلم مسعود أحمد

أثرت أزمة الديون في أوروبا على أجزاء كثيرة من العالم، ولا تعد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا استثناء فى هذا الخصوص. ويزيد الأمر تعقيداً أن ضعف النشاط الاقتصادي في منطقة اليورو ـ والعالم ككل ـ يأتى في فترة مليئة بالتحديات بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويتساءل الناس في العالم العربي عن إمكانية انتقال عدوى المشكلات الاقتصادية فى أوروبا إلى منطقتهم ومدى تأثيرها على آفاق الاقتصاد فيها.

وفي ظل التشابكات وعلاقات الترابط التى تسود عالمنا اليوم، تتعدد الآليات والقنوات التى يمكن أن تنتقل من خلالها آثار التغيرات الاقتصادية في منطقة ما إلى غيرها من المناطق. ومن المتوقع أن يمتد تأثير أزمة الديون السيادية فى أوروبا إلى منطقة الشرق الأوسط. غير أن درجة التأثر بهذه الضغوط تختلف اختلافاً كبيراً من بلد إلى أخر، بل إن تطور عملية التحول السياسي والاقتصادي في كثير منها سيكون أكبر أثراً على آفاقها الاقتصادية في السنة القادمة.

بلدان المنطقة المستوردة للنفط ستكون الأكثر تضرراً

توفر الاقتصادات الأوروبية سوقاً رئيسياً بالنسبة لكثير من الصادرات فى هذه المجموعة من الدول. ومن المتوقع أن تكون بلدان شمال أفريقيا أكثر الاقتصادات تأثراً لما تتمتع به هذه البلدان من مستويات عالية من الترابط مع دول الاتحاد الأوروبي. فالعديد من البلدان المستوردة للنفط في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة المغرب وتونس في المغرب العربي، تعتمد بشكل كبير على أوروبا كسوق للصادرات والسياحة وتحويلات العاملين في الخارج، والاستثمار الأجنبي المباشر. هذه البلدان هي أكثر عرضة للخطر حيث تتعرض بشكل خاص للتدهور الاقتصادى فى منطقة اليورو. أما البلدان الأخرى المستوردة للنفط في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما الأردن، فتعد أقل ترابطاً مع أوروبا، ومن ثم أقل تأثراً بصعوباتها الاقتصادية.

ومع عدم الاستقرار الاقتصادي في أوروبا وعدم الاستقرار السياسي في بعض بلدان المنطقة، فإنه من المتوقع أن تبقى معدلات النمو في البلدان المستوردة للنفط منخفضة في عام 2012 (حوالى 2 في المائة باستبعاد سورية). ويعد ذلك باعثاً على القلق الشديد نظراً لحاجة هذه المجموعة من الدول إلى تحقيق معدلات نمو أعلى بكثير كى يتسنى إيقاف الارتفاع في معدلات البطالة – المرتفعة في الأساس – بين الشباب.

بلدان المنطقة المصدرة للنفط ستكون الأقل تضرراً

يؤثر عدم اليقين المتزايد على الصعيد الاقتصادى العالمي على هذه المجموعة بشكل رئيسي من خلال التأثير على الطلب العالمي على النفط ومن ثم أسعاره. وسوف يؤدي التباطؤ المتوقع في الطلب العالمي على النفط إلى انخفاض معدلات النمو الاقتصادي بشكل عام بالنسبة لهذه الدول. ومع ذلك، فإن العديد منها سيكون قادر على تجاوز الأزمة بشكل جيد استناداً إلى قوة الطلب المحلي وكفاية الاحتياطيات الأجنبية واستقرار البيئة السياسية.

محدودية الآثار المالية على بلدان المنطقة

من المرجح أن تكون الآثار المالية غير المباشرة الناجمة عن أزمة منطقة اليورو محدودة للغاية فى منطقة الشرق الأوسط. فمن جهة، نجد أن مشكلات الديون السيادية التي تواجه منطقة اليورو قد ساهمت في ارتفاع تكاليف الاقتراض كنتيجة لاتساع فروق التأمين على مبادلات المخاطر السيادية والائتمانية التى تواجه بلدان المنطقة. من ناحية أخرى، فإن الأجهزة المصرفية في المنطقة بوجه عام لا تعتمد كثيراً على الاقتراض من البنوك الأوروبية بل تعتمد على المصادر المحلية في الحصول على التمويل.

تحديات خاصة أمام بلدان الربيع العربى

بالإضافة للبيئة الاقتصادية العالمية غيرالمواتية، تواجه الحكومات فى العديد من دول الربيع العربى تحديات كبيرة تتمثل فى زيادةً مضطردة في المطالبات الاجتماعية ومستويات البطالة المرتفعة، وذلك فى ظل حيز مالي ضيق لا يكفى لمواجهة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة.

وقد كانت زيادة الدعم والأجور وغيرها من بنود الإنفاق هي الإجراءات التي اتخذتها حكومات بلدان الربيع العربى حتى الآن في مواجهة الضغوط الاجتماعية، سعياً لتخفيف المشقة التي يستشعرها المواطن العادي. وقد كانت هذه الإجراءات مطلوبة لتحقيق التجانس الاجتماعي فى الأمد القصير، لكنها لا تأتي بغير تكلفة. فقد اتسع العجز المالى بشكل يثير مخاوف تتعلق بالاستدامة المالية.

ولمواجهة هذه الفترة العصيبة، سيتعين على الحكومات تحقيق التوازن السليم بين الاستمرار في توفير الخدمات الاجتماعية المطلوبة مع الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي ووضع الأساس لتحقيق النمو الشامل والمستدام بمجرد تحسن الأوضاع الاقتصادية على الصعيد العالمي. ويلتزم صندوق النقد الدولي، من جانبه، بدعم بلدان المنطقة حتى تتجاوز هذه التحديات وتتمكن من تحسين حياة شعوبها وآفاقها المتوقعة.