بقلم كريستين لاغارد

(بلغات أخرى English)

تونس، ذلك البلد الذي أشعل شرارة الربيع العربي، هو الوجهة التى أمضيت فيها اليومين الماضيين. وهناك عقدت اجتماعات رسمية مع القادة الجدد، الذين تحدثوا عن "ثورة الحرية والكرامة" ـ التسمية المحببة لدى التونسيين ـ وعن اهتمامهم بتحقيق التحول السلس إلى الديمقراطية والرخاء.

ورغم مرور عام على الثورة، فإن شعوراً غامراً بالإعجاب يملأ نفوسنا حين ننظر بعين الذاكرة إلى هذا التحول الجذري النابع من حركة جماهيرية عارمة، وكيف تحقق له الانتقال إلى بلدان أخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وإلى جانب زياراتي الرسمية، فقد استمتعت للغاية بتناول الغداء مع مجموعة من السيدات تضم رائدات أعمال وأستاذات جامعيات وناشطات شابات، حيث تحدثن بحماس كبير عن حياتهن والتزامهن وآمالهن لوطنهن.

وكنت قد بدأت منذ تعييني مديراً عاما لصندوق النقد الدولي في أواخر يوليو الماضي سلسلة من الزيارات لجميع مناطق العالم، حتى أستمع إلى شواغل بلداننا الأعضاء وأتعرف على القضايا التي تواجه البلدان المختلفة. وتونس هي أول بلد عربي أقوم بزيارته بعد تولى المنصب، وسأقوم بزيارة أيضاً إلى المملكة العربية السعودية خلال اليومين القادمين.

إضاءة الشعلة للآخرينً

وتمر تونس حالياً بعملية تحول شاملة، لكنها تواجه بعض التحديات الاستثنائية في هذا السياق. وقد استمعت إلى القادة هناك وهم يشرحون كيف كانت تونس النموذج الذي مهد السبيل لحلول الربيع العربي، ويعربون عن إيمانهم بأنها لا تزال قادرة على إضاءة الطريق أمام البلدان الأخرى التي تشهد تغيرات تاريخية في المنطقة.

وقد استمعت بعناية إلى القادة وإلى السيدات. ولا يسعنا إلا أن نشعر بالاحترام تجاه القادة وأبناء الشعب على حد سواء، لما يتصفون به من عزيمة قوية وحماس متقد في سعيهم الدؤوب لإنجاح هذا التحول التاريخي.

وكل الثورات لا بد أن تمر بفترة من عدم الارتياح ونفاد الصبر عقب النجاحات الفارقة الأولى. وقد أضاف اضطراب الاقتصاد العالمي بُعدا جديداً من عدم اليقين إلى عام كان عصيباً في الأصل.

الشباب تحت وطأة المشكلات

وقد أخبرت الرؤساء التنفيذيين وممثلي القطاع المصرفي أن تونس تواجه تحديات تدهور المالية العامة، واتساع عجز الحساب الجاري، واستمرار مشكلات القطاع المصرفي، كما يُلاحظ أن هناك حالة من القلق العام حول تكلفة المعيشة والنشاط التجاري.

وقد تجددت الحاجة الملحة لمواجهة مشكلة البطالة المزمنة، ولا سيما بطالة الشباب، بعد الاضطرابات التي شهدها العام الماضي. فقد شهدت تونس ارتفاعاً حاداً في معدل البطالة صعوداً من مستوى مرتفع في الأصل. ويقدر هذا المعدل حاليا بنحو 18%، بينما يصل بين الشباب إلى أكثر من 40%. ويجب أن نتذكر أن التنمية الاقتصادية ليست غاية في ذاتها، إنما هي وسيلة لإثراء حياة الشعوب، وليس هناك ما يثري الحياة سوى العمل المجزي. إنه مكمن الشعور بالكرامة ومصدر الحراك وباعث الأمل.

ويجب أن تتناغم جهود الحكومة والقطاع الخاص لتعزيز الاستثمار ورفع الإنتاجية وتوفير فرص العمل. وتواجه تونس، مع الأسف، تحديات إضافية نابعة من أزمة الديون التي تلوح في أفق منطقة اليورو.

تحديات العام المقبل

إن أهم التحديات في العام القادم هو ضمان التجانس الاجتماعي مع الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي. ولتحقيق هذا الغرض، تُعلَّق أهمية قصوى على ضمان التمويل الكافي، إذ يُرجح ألا تقدم أسواق رأس المال سوى نسبة بسيطة من التمويل المطلوب ـ وبتكلفة أعلى. ومن ثم فسوف يُدعى الشركاء الإقليميون والمجتمع الدولي بشكل أوسع إلى المساهمة في تقديم الدعم المالي اللازم. وصندوق النقد الدولي على استعداد لأداء دوره في هذا الخصوص.

وسيكون الطريق طويلاً وشاقاً في المرحلة المقبلة. لكنني لا أزال أشعر بالأمل. فالبلد الذي يشتهر بالتنوع وحب الحرية لا بد أن ينجح في تخطي الصعاب.

إن النقوش الخزفية التي تكتسي بها الأبنية في العاصمة التونسية، تلك الفسيفساء التي يرجع تاريخها إلى مئات السنين والتي ظلت صامدة عبر فترات الحروب والصراعات، ما هي إلا انعكاس لهذا التنوع الحضاري الذي يتعين الحفاظ عليه واحترامه. هذه صورة لمستها وسوف أحملها معي من تونس، إلى جانب ما لمسته من قوة صديقاتي التونسيات!