بقلم: مسعود أحمد

عدت لتوي من زيارة إلى القاهرة استغرقت يومين، حيث يبدأ فريق من خبراء الصندوق سلسلة من المناقشات مع الحكومة المصرية حول سبل الدعم التي يستطيع الصندوق تقديمها لبرنامج اقتصادي تضعه مصر.

وتمر مصر بدورة من التقلبات العنيفة منذ عام؛ فمن نشوة الثورة وما تبعها من استفتاءات وانتخابات إلى مُنعطفات التراجع الاقتصادي وما يجلبه من مشكلات.

ورغم أجواء التفاؤل الجديدة التي أشاعها الربيع العربي في المنطقة، فإن حالة عدم اليقين السائدة أثناء الفترة الانتقالية قد تسببت في قلق المستثمرين وعدم إقبال السائحين الذين يمثلون مصدراً حيوياً للإيرادات.

وقد تراجعت ثقة المستثمرين إزاء ضعف أوضاع المالية العامة وتصاعُد معدلات البطالة وتزايُد الضغوط التضخمية. وأدى كثير من هذه التطورات إلى الإضرار بحسابات ميزان المدفوعات وانخفاض الاحتياطيات الأجنبية إلى النصف. وقد ساهم تدهور الوضع الاقتصادي في أوروبا - والتي لا تزال شريكاً تجارياً رئيسياً لمصر- من تفاقم هذه الضغوط.

جاهزون للمساعدة

واستجابة لهذه التطورات، تعكف الحكومة المصرية حالياً على وضع برنامج اقتصادي يهدف إلى إرساء الاستقرار ودعم الثقة، وإقامة الأسس للنمو الشامل للجميع والمنشئ لفرص العمل، وحماية الفقراء في هذه المرحلة الانتقالية. وقد طلبت الحكومة من الصندوق دعم هذا البرنامج من خلال المساهمة في تمويل احتياجات ميزان المدفوعات ومن ثم الحيلولة دون هبوط الاحتياطيات الأجنبية إلى مستويات حرجة.

ومصر عضو في صندوق النقد الدولي ونحن على استعداد لتقديم العون اللازم لمصر وشعبها في هذه الفترة العصيبة.

وقد ركزت في زيارتي إلى مصر على إجراء مناقشات مع المجموعة الاقتصادية في الحكومة ومع الأطراف المعنية الرئيسية الأخرى حتى أصبح أكثر إلماماً بالسياسات التي ينظرون في تنفيذها لمواجهة التحديات الراهنة وكذلك بالإجراءات المتوخاة لضمان تأييد واسع النطاق لأي برنامج مصري يمكن أن يدعمه الصندوق.

ولا يزال يتعين عمل المزيد بشأن إطار السياسات، لكنني لمست توافقاً كبيراً في الآراء حول ضرورة تقليص الفجوة بين النفقات والإيرادات الحكومية والحد من الإنفاق غير المجدى وذى الأولوية المنخفضة. وينبغي تحديد تفاصيل الطريقة المثلى لتحقيق هذا الهدف في الأسابيع القادمة من خلال التحليل الفني والتشاور بين الأطراف المعنية فى مصر.

دعم برنامج وطنى

لقد أكدت إيماننا الراسخ بأن برنامج الإصلاح ينبغي أن يكون مصري الهوية في تصميمه وملكيته. وبوسع الصندوق تقديم المشورة الفنية والدروس المستفادة من تجارب مختلف البلدان الأعضاء، وينبغي أن نتأكد من أن التدابير المتخذة في أي برنامج اقتصادي يطبقه أحد البلدان ستؤدى إلى تحقيق أهدافها المعلنة. لكن يبقى اختيار تدابير بعينها من شأن من يضطلعون بتنفيذ البرنامج. وفي هذا الخصوص، استطعت أن أوضح أيضاً أن أي "معايير" يتم استخدامها لقياس مدى التقدم في تنفيذ برنامج يدعمه الصندوق ينبغي أن تُستمد من البرنامج الاقتصادي المصري.

وبالنظر إلى التحول السياسي الجاري في البلاد، فإن السلطات المصرية تدرك أيضا أن حصول البرنامج على تأييد سياسي واسع النطاق يعزز احتمالات زيادة الثقة ونجاح التنفيذ. وفي هذا السياق، أُتيحت لفريق الصندوق أيضاً فرصة الالتقاء بممثلي الأحزاب السياسية. وقد ساعدتني هذه اللقاءات على الإلمام بأولوياتهم وشواغلهم، كما مكنتني من توضيح دور الصندوق ومدى تطور منهجنا منذ تسعينيات القرن الماضى، وهى الفترة التى طبقت فيها مصر آخر برامجها المدعمة من الصندوق.

المساعدة فى سد الفجوات التمويلية

وهناك سؤال تكرر طرحه في هذه الأثناء، وهو ما إذا كانت مصر تستطيع تحمل المزيد من الدين الخارجي وما إذا كان من الأفضل أن تحصل الحكومة على القروض التي تحتاج إليها من البنوك المحلية. وأنا شخصيا أعتقد أن أي قرار بشأن تحمل المزيد من الديون ينبغي ألا يتخذ دون دراسة جادة ومتأنية، نظراً لأعباء السداد التي تترتب عليه في المستقبل.

ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الدين الخارجي كنسبة من إجمالي الناتج المحلي في مصر يبلغ مستوى منخفضاً للغاية بالمعايير الدولية. وفيما يتعلق بالاختيار بين الاقتراض المحلي والاقتراض الخارجي، فإن أحد الاعتبارات الهامة هي مستويات أسعار الفائدة العالمية شديدة الانخفاض في الوقت الراهن، الأمر الذي يجعل الاقتراض من الخارج رخيصاً نسبياً فى الوقت الذى تزاد فيه أسعار الفائدة المحلية. وهناك اعتبار آخر هو أن تقليل اعتماد الحكومة على الاقتراض المحلي يساهم في إفساح المجال أمام البنوك المحلية لتقديم المزيد من القروض للقطاع الخاص، لا سيما للمشروعات الصغيرة والمتوسطة الحجم والتي تمثل مساهماً أساسياً في إنعاش الاقتصاد وتوفير المزيد من فرص العمل. كما أن الاقتراض الخارجى _ والذى يصعب تجنبه فى ظل العجز الحالى للموازنة – يمكن أن يوفر تمويلاً مؤقتاً من أجل الحفاظ على الانفاق الاجتماعى ومن ثم حماية الطبقات الفقيرة فى مرحلة الانكماش الاقتصادى. كما أنه أيضاً سيساعد على تجنب الحكومة الاقتراض من البنك المركزى وماله من تبعات تضخمية.

وأخيراً، فإنه أيا كان مصدر الاقتراض، فمفتاح الحل هو التأكد من استخدام هذه الموارد في تلبية أولويات واضحة وإنفاقها على نحو فعال وشفاف. وتمثل تقوية إدارة المالية العامة والمساءلة مجالاً من المجالات التي يمكن أن يساعد فيها الصندوق أيضا من خلال المشورة والمساعدة الفنية لتعزيز القدرة المؤسسية.

نظرة للأمام

وخلاصة القول إنني خرجت متفائلاً بالتوافق المتزايد في الآراء حول الحاجة إلى برنامج مصري طموح لتحقيق أهداف الحفاظ على التجانس الاجتماعي وحماية الاستقرار الاقتصادي الكلي والثقة ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والمضي بالاقتصاد المصري على مسار يقود إلى نمو شامل مرتفع ومزيد من فرص العمل الجديدة على المدى المتوسط.

ولا شك أن الفترة القادمة سوف تشهد تحديات كبيرة، سواء في التوصل إلى توافق وطني كبير في الآراء حول تفاصيل البرنامج الاقتصادي، أو في مواكبة التحول السياسي المستمر في خلفية هذا المشهد. ولكننا من جانبنا فى الصندوق ملتزمون بمساندة مصر من خلال المشورة في الأمور الفنية وقضايا السياسة الاقتصادية وربما من خلال اتفاق مالي مع الصندوق. وسوف نواصل إطلاع المراقبين المهتمين بالتطورات في هذا السياق خلال الأسابيع القادمة. وإنني أرحب، كما كنت دائما، بأي تعليقات أو آراء في أي وقت.

وأختتم حديثي اليوم بتذكير أنفسنا بأن هذه التحديات الاقتصادية قصيرة الأجل يجب ألا تحجب الحقيقة، وهي أن الثورة يمكن أن تطلق إمكانات الاقتصاد المصري الهائلة عن طريق العمل على تحقيق نمو شامل لجميع المواطنين وزيادة الشفافية وتعزيز الحوكمة. وهذه العوامل الإيجابية، إذا ما اقترنت بحسن إدارة الاقتصاد، يمكن أن تعزز الاستفادة من مواطن القوة الكامنة لدى مصر، وأقصد بذلك سكانها الذين يتميزون بالديناميكية والشباب، وروح ريادة الأعمال المعهودة فيها، وسوقها المحلي الكبير، وسهولة وصولها إلى أهم أسواق العالم، وموقعها الجغرافي المتميز.