إعداد: فيتور غاسبار و أبيبيه آمرو سيلاسي

(بلغات أخرى English)

تقوم الإيرادات الضريبية بدور حيوي في خلق حيز في الموازنة العامة للإنفاق على الخدمات الاجتماعية مثل الصحة والتعليم والاستثمارات العامة. ولما كانت مستويات الدين العام قد سجلت ارتفاعا حادا في إفريقيا جنوب الصحراء، فإن زيادة الإيرادات الضريبية هي أداة تثبيت الدين الأكثر أمانا بالنسبة للنمو. وبشكل أعم، يحتل بناء القدرات الضريبية موقعا محوريا في أي استراتيجية إنمائية ممكنة لتلبية الاحتياجات المستمرة للتوسع في خدمات التعليم والرعاية الصحية، وسد فجوات البنية التحتية الكبيرة.

وسيتسمر حرصنا دائما في تقديم المشورة على مراعاة ظروف كل بلد وكل سياق، لكننا نرى إمكانية رفع الإيرادات الضريبية بنحو 1% من إجمالي الناتج المحلي سنويا على مدار الخمس سنوات القادمة تقريبا في كثير من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء. ورغم أن هذه النسبة تمثل هدفا طموحا، فإن تجارب المنطقة وغيرها تشير إلى إمكانية تحقيقه بصورة قابلة للاستمرار ومواتية للأعمال. وجدير بالذكر أن تحسين القدرات المحلية في مجال تحصيل الضرائب والإيرادات الأخرى هو أحد الأهداف التي اتفقت عليها البلدان ضمن أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة (الهدف 17). 

الهياكل الضريبية في إفريقيا جنوب الصحراء

زاد متوسط الإيرادات الضريبية من غير الموارد الطبيعية في المنطقة على مدار السنوات القليلة الماضية، ولكنها لا تزال منخفضة بالمعايير الدولية وبالنسبة لاحتياجات الإنفاق الكبيرة على التنمية في المنطقة.

ويشكل الهيكل الضريبي أهمية أيضا. واليوم، على خلاف الاقتصادات المتقدمة، تعتبر نسبة ضرائب الدخل الشخصي منخفضة نسبيا في المنطقة، في حين أن نسبة ضرائب الاستهلاك أعلى. وبمرور الوقت، مع زيادة الدخول وانتقال المزيد من الأنشطة الاقتصادية إلى القطاع الرسمي، يمكن أن تتوقع البلدان دورا أكبر لضرائب الدخل في تحصيل الإيرادات.  

وهذا هو الاتجاه العام طويل الأجل في الاقتصادات المتقدمة، حيث زادت نسبة الضرائب الحديثة التي تتضمن ضرائب الدخل والقيمة المضافة، بينما انخفضت نسبة الضرائب التقليدية (بما فيها ضرائب التركات والضرائب الانتقائية وضرائب المبيعات، والرسوم الجمركية). 

ونرى اتجاهات مماثلة في إفريقيا جنوب الصحراء، فعلى سبيل المثال، انخفضت الأهمية النسبية لإيرادات الضرائب التقليدية على مدار الخمس والعشرين عاما الأخيرة من حوالي 75% إلى أقل من 40% من مجموع الإيرادات الضريبية. والفارق الأساسي بين هذين النوعين من الضرائب هو أن الضرائب الحديثة تعتمد على المعلومات المستمدة من الغير، مثل أصحاب الأعمال والبنوك وصناديق الاستثمار والتقاعد، في حين أن الضرائب التقليدية القائمة على الإقرار الذاتي تتطلب قدرا أقل من المعلومات وتتسم بسهولة أكبر في إدارتها.

ونظرا للوقت الذي يستغرقه بناء القدرات لتحصيل المزيد من ضرائب الدخل الشخصي، فمن المرجح أن تكون ضرائب القيمة المضافة والضرائب الانتقائية هي أكبر مصدر محتمل للإيرادات الإضافية على مدار السنوات القليلة القادمة. فعلى سبيل المثال، تشير دراسات أجراها الصندوق مؤخرا إلى احتمال تحصيل إيرادات قدرها حوالي 3% من إجمالي الناتج المحلي من ضريبة القيمة المضافة في كابو فيردي والسنغال وأوغندا، و0.5% من إجمالي الناتج المحلي من الضرائب الانتقائية في كل بلدان إفريقيا جنوب الصحراء. ويمكن أن يؤدي إجراء إصلاحات في تصميم النظم الضريبية للصناعات الاستخراجية مثل النفط والغاز إلى مساعدة البلدان على أن تحقق للحكومة نصيبا أكثر عدالة من الإيرادات دون الإضرار بالاستثمار.  

ويأتي تأثير سياسة المالية العامة على توزيع الدخل من جانبي النفقات والضرائب. ففي البلدان التي تتميز سياسة المالية العامة فيها بتأثيرها الكبير على الحد من عدم المساواة، يأتي معظم هذا التأثير من خلال الإنفاق، وهو ما يكتسب أهمية خاصة عند تقدير ضريبة القيمة المضافة. فبينما يمكن أن تكون ضريبة القيمة المضافة تنازلية، يُرجَّح أن يكون التأثير الكلي على عدم المساواة إيجابيا إذا استُخدِمت الإيرادات في تمويل النفقات والبرامج الاجتماعية الموجهة للفئات الأقل دخلا. 

ومن المهم أيضا النظر في مصادر جديدة للإيرادات، كالضرائب العقارية. وتعتبر مساهمة الضرائب العقارية بالغة الانخفاض حاليا – لا تزيد على 0.5% من إجمالي الناتج المحلي. وبالإضافة إلى إمكاناتها الإيرادية الكبيرة، يمكن أن تستخدمها البلدان كأداة لإعادة توزيع الدخل. وتتسم الضرائب العقارية بالعدالة والكفاءة، ولكن فعالية تصميمها وتنفيذها تعتمد على القدرات الإدارية. وفي الحالات التي لا يتسنى فيها تنفيذ الضرائب العقارية المتعارف عليها، ربما تكون هناك نظم مبسطة بديلة تستطيع الحكومات استخدامها، مثل النظم القائمة على المساحة. كذلك فإن استخدام التكنولوجيات الجديدة لرسم الخرائط وتحصيل الضرائب يتيح فرصا كبيرة للتقدم بخطى واسعة نحو نظم ضريبية أفضل.

وبخلاف الحاجة إلى إعادة ضبط الضرائب الحالية والنظر في ضرائب جديدة، هناك عدة عوامل إضافية تعوق تحقيق الإمكانات الضريبية في بلدان إفريقيا جنوب الصحراء:

  • فهناك مواطن ضعف واضحة في مجالات تصميم السياسات والأطر القانونية والتنظيمية والإدارة الضريبية. ومن أمثلة ذلك الاستخدام المفرط للإعفاءات والحوافز الضريبية، بالإضافة إلى تآكل القواعد الضريبية ونقل الارباح بعيدا عن المنطقة.
  • ويؤدي ضعف الصياغة القانونية إلى تفسير القواعد السائدة بصورة جزافية وزيادة تكلفة الامتثال.
  • ومما يشير إلى مواطن ضعف كبيرة في الإدارة الضريبية الافتقار إلى عمليات التدقيق القائمة على المخاطر، وضعف التنسيق بين الإدارة الضريبية والجمركية، وانخفاض مستويات تقديم الإقرارات الضريبية، والاستخدام المحدود للتكنولوجيات الحديثة، والخدمات غير الكفؤة المقدمة لدافعي الضرائب.

وللمساعدة في معالجة هذه العيوب، يعمل الصندوق مع البلدان الأعضاء بسبل متعددة منها مراكزه الإقليمية للمساعدة الفنية لوضع استراتيجيات للإيرادات على المدى المتوسط. وقد أنشأت منصة التعاون بشأن الضرائب هذا المفهوم واقتراحه، وهو خارطة طريق عالية المستوى يمكن أن تستخدمها البلدان لإصلاح النظام الضريبي في غضون فترة تتراوح بين أربع وست سنوات.

ويتعامل هذا المنهج مع النظام الضريبي باعتباره نظاما يغطي السياسة الضريبية وقانون الضرائب والإدارة الضريبية. وتعتمد استراتيجيات الإيرادات متوسطة الأجل على التزام اجتماعي وسياسي واسع النطاق بإصلاح النظام الضريبي. وتحدد هذه الاستراتيجيات، المصممة بالشراكة الوثيقة مع البلدان المعنية، أهدافا كمية واضحة للإيرادات الضريبية على المدى المتوسط. وقد بدأ وضع هذه الاستراتيجيات بالفعل في بضعة بلدان، منها أوغندا وإندونيسيا.

وغالبا ما تكون زيادة الإيرادات مهمة صعبة من المنظور السياسي. ولكن المرحلة الاقتصادية الراهنة في إفريقيا جنوب الصحراء إلى جانب احتياجات التنمية المستمرة تجعل من التحرك العاجل ضرورة حتمية.