بقلم عبد الهادي يوسف

مع التغير الجذري الذي يشهده الشرق الأوسط، يتعين مساعدة صناع السياسات على تعزيز القدرات الفنية والتحليلية في مؤسسات بلدانهم المختلفة لضمان توافر المهارات التحليلية السليمة التي تكفل مواجهة التحديات الاقتصادية الجديدة أمام المنطقة.

ومن هنا كان التوقيت الذي افتتحنا فيه مركز الصندوق للاقتصاد والتمويل في الشرق الأوسط في مايو الماضي (CEF) توقيتا موفقا للغاية، وإن كان الإعداد لهذا المشروع قد بدأ منذ فترة.

والهدف من إنشاء هذا المركز الذي تستضيفه دولة الكويت وتموله بالكامل من خلال "الهيئة العامة للاستثمار" هو تعزيز مهارات المسؤولين من البلدان الأعضاء في جامعة الدول العربية في مجالات التحليل الاقتصادي وتشخيص حالة الاقتصاد ورسم السياسات الفعالة وتنفيذها.

طلبات التدريب الجديدة

استطاع المركز الاستجابة على الفور لطلبات التدريب الجديدة من بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في سياق تطورات الربيع العربي، حيث عقد ثمانية أنشطة تدريبية في الفترة بين شهري مايو وأكتوبر الماضيين.

ولا يزال التدريب يركز حتى الآن على قضايا إدارة الاقتصاد الكلي وسياسة المالية العامة، وتحليل الأسواق المالية، وجوانب الضعف في القطاع الخارجي، وأولويات إصلاح إدارة الإيرادات، ومكافحة غسل الأموال، المعيار الخاص لنشر البيانات*، وحسابات الدخل القومي، وإحصاءات ميزان المدفوعات. وفي المجمل، شارك في هذه الدورات أكثر من 200 مسؤول رسمي من 21 بلدا عربيا.

والآن، ونحن نغادر مقرنا المؤقت لنستقر في موقعنا الدائم الذي بني على أحدث طراز في مدينة الكويت ـ ونظرا لتأييد السلطات الكويتية ورؤيتها المسبقة لأهمية الغرض الذي أنشئ من أجله المركز ـ نستطيع زيادة أنشطتنا التدريبية إلى حد كبير وبدء المساهمة بدور رئيسي في عملية بناء القدرات في منطقة الشرق الأوسط ـ في وقت أصبحت فيه الحاجة إلى هذه القدرات أكبر من أي وقت مضى.

منهج عملي

مركزنا الجديد هو أحدث منشآت التدريب التابعة للصندوق بعد مراكز التدريب المشترك الناجحة* في النمسا والبرازيل والصين والهند وسنغافورة (بالإضافة إلى التدريب المقدم في واشنطن). ومن خلال هذه المراكز، يقدم الصندوق تدريبا عمليا يركز على سياسات الاقتصاد والتمويل والمجالات التشغيلية ذات الصلة للمسؤولين من البلدان الأعضاء.

والأساس المنطقي الذي يقوم عليه إنشاء مراكز التدريب الإقليمية هو أنها تجعل خبراتنا المتخصصة أقرب إلى المستخدم النهائي وتركز على القضايا المهمة للمنطقة. وهناك تكامل بين ما نقدمه من مساعدة فنية وتدريب، وكلاهما تدعمه الجهات المانحة، حيث يشتركان في هدف بناء القدرات لدعم وتحقيق سياسات الحكم الرشيد.

ويستطيع التدريب مساعدة المسؤولين على اكتساب المهارات المطلوبة لتطبيق توصيات الصندوق. فبعد وقوع الأزمة المالية العالمية، على سبيل المثال، لجأ كثير من البلدان إلى استخدام سياسة المالية العامة لتخفيف أثرها، ومنها بعض البلدان منخفضة الدخل التي كانت قد استفادت في وقت سابق من تخفيف أعباء الديون. ولأن بعض هذه البلدان بدأت تشهد ارتفاعا في مستويات مديونيتها، فهي تطلب الآن مساعدة الصندوق في رسم استراتيجيات متوسطة الأجل لإدارة الديون.

وقد يطلب صناع السياسات في الشرق الأوسط الحصول على تدريب مماثل حول كيفية تحقيق ذلك التوازن الدقيق بين زيادة الدعم المكلف وغيره من التحويلات الحكومية لمواجهة الضغوط الاجتماعية، ومنع اتساع عجز المالية العامة إلى مستوى لا يمكن الاستمرار في تحمله.

استشراف المستقبل

أشعر بالتفاؤل تجاه ما يمكن أن يحققه مركز الاقتصاد والتمويل في السنوات المقبلة، بالنظر إلى المنعطف الحاسم الذي تمر به المنطقة. فهناك بالفعل حوالي 50 نشاطا تدريبيا ضمن البرنامج التدريبي للفترة 2011-2012، معظمها سيتم باللغة العربية أو باللغة الإنجليزية مع ترجمة فورية إلى العربية (وإن كانت بعض الدورات المتخصصة ستُقدم باللغة الإنجليزية فقط).

وإلى جانب الأنشطة التدريبية التي سيقدمها معهد صندوق النقد الدولي وإدارات الصندوق المختلفة، هناك منظمات دولية أخرى (منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية) ستقدم أنشطة تدريبية في مقر المركز تبعا لمجالات خبرة كل منها، مما سيؤدي إلى توسيع النطاق الذي تغطيه الدورات التدريبية وحلقات النقاش التي يقدمها المركز في عام 2012. وعلاوة على ذلك، يجري الانتهاء حاليا من صياغة اتفاق بين صندوق النقد الدولي وصندوق النقد العربي لتقديم أنشطة تدريبية مشتركة من واقع البرنامج التدريبي الذي وضعه المركز.

وعلى الرغم من تحقيق الكثير من الإنجازات حتى الآن، فإن المركز لم يُفتتح رسميا بعد، حيث تقرر أن يتم الافتتاح في مطلع العام الجديد بعقد ندوة رفيعة المستوى يومي 17 و 18 يناير القادم بعنوان "النمو والوظائف في العالم العربي".

وكانت اللجنة التوجيهية التابعة للمركز ـ والتي تضم حاليا خبراء من الصندوق ومسؤولين من السلطات الكويتية فقط ـ قد اجتمعت لأول مرة في مدينة الكويت في شهر يونيو الماضي، واتفقت على فتح باب العضوية والسماح بانضمام جهات مانحة ومنظمات أخرى إليها كأعضاء مساهمين. وتم الاتفاق أيضا على دعوة العلماء المتخصصين وصناع السياسات من المنطقة للمشاركة في الاجتماعات المستقبلية بصفتهم مراقبين لتقديم رؤيتهم حول احتياجات التدريب في المنطقة وللمساعدة في عملية تطوير المناهج.

لقد بدأنا بداية موفقة. وأعتقد أنها بشير خير للمستقبل.

* باللغة الإنجليزية