بقلم: فيتور غاسبار، و مرسيدس غارسيا-إسكريبانو

(بلغات أخرى English)

شهدت العقود الأخيرة تراجعا في عدم مساواة توزيع الدخل بين الناس حول العالم. ويرجع هذا إلى لحاق الدخول في بلدان كالصين والهند بالدخول في الاقتصادات المتقدمة. ولكن الأخبار ليست سارة كلها. فعدم المساواة داخل البلدان زاد، وخاصة في الاقتصادات المتقدمة. ولما كان التعافي الاقتصادي العالمي قد اكتسب سرعة أكبر وأصبح الآن واسع الانتشار، فإن صناع السياسات أمامهم فرصة سانحة للتحرك بإصلاحات تعالج عدم المساواة، ويوضح العدد الجديد من تقريرنا الراصد المالي كيف يمكن إحداث فرق من خلال المزيج الصحيح من سياسات المالية العامة.

سياسة المالية العامة أداة قوية

سياسة المالية العامة مسؤولة عن جانب كبير من الفروق في عدم المساواة بين البلدان.

ففي الاقتصادات المتقدمة، تعوِّض سياسة المالية العامة حوالي ثلث فوارق الدخل قبل الضرائب والتحويلات – وهو ما يعرف بعدم المساواة في الدخل السوقي – حيث تعوض 75% منها عن طريق التحويلات. ويؤثر الإنفاق على التعليم والصحة أيضا على عدم المساواة في توزيع الدخل السوقي مع الوقت، من خلال ما يحققه من تشجيع الحركية الاجتماعية، بما في ذلك الحركية الاجتماعية عبر الأجيال. وفي الاقتصادات النامية، يُلاحَظ أن إعادة توزيع إيرادات المالية العامة أضعف بكثير، لأن الضرائب والإنفاق أكثر انخفاضا وأقل تصاعدية.

أهمية تصميم ترتيبات إعادة التوزيع

لا توجد استراتيجية تصلح للجميع. فإعادة التوزيع ينبغي أن تعبر عن ظروف كل بلد، بما في ذلك الضغوط الأساسية التي تتعرض لها المالية العامة، والتفضيلات الاجتماعية، والقدرات الإدارية والضريبية لدى الحكومة. كذلك لا يمكن النظر للضرائب والتحويلات على حدة. فالبلدان تحتاج إلى تمويل التحويلات، ومزيج الأدوات المختار الذي يجمع بين الضرائب البديلة والتحويلات يمكن أن تكون انعكاساته شديدة التباين من حيث العدالة.  

وبينما قد يكون لبعض السياسات آثار متضاربة على النمو والتوزيع، توضح أدلتنا التجريبية إمكانية تحقيق النمو الاحتوائي القابل للاستمرار باستخدام مزيج السياسات الصحيح. ومن الممكن، بل الواجب، أن تترافق الكفاءة مع العدالة.

 

معالجة عدم المساواة

أمام صناع السياسات كثير من الخيارات لتحقيق النتائج المطلوبة على صعيد الكفاءة والعدالة. ويركز تقرير الراصد المالي على ثلاثة مناقشات تتعلق بالسياسات: الضرائب التصاعدية، والدخل الأساسي المعمم (UBI)، والإنفاق العام على التعليم والصحة.

  • ضرائب الدخل التصاعدية: شهدت تصاعدية ضرائب الدخل الشخصي تراجعا كبيرا في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي وظلت مستقرة إلى حد كبير منذ ذلك الحين. فقد هبط المعدل المتوسط الأعلى لضريبة الدخل في بلدان منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (OECD) من 62% في 1981 إلى 35% في 2015. وبالإضافة إلى ذلك، فإن النظم الضريبية أقل تصاعدية مما تشير إليه المعدلات القانونية، لأن التخفيف الضريبي متاح للأفراد الأثرياء أكثر من غيرهم. ومن المهم أننا نخلص إلى إمكانية قيام بعض الاقتصادات المتقدمة بزيادة التصاعدية دون إعاقة النمو، ما دامت تصاعدية غير مفرطة.
  • الدخل الأساسي المعمم (UBI): هناك نقاش موسع بين الاقتصاديين منذ عقود حول الدخل الأساسي المعمم – الذي يعرف بأنه تحويل نقدي بنفس المقدار لكل الأفراد في بلد ما. وقد تجدد الاهتمام بهذا المفهوم مؤخرا، ارتباطا بالتصورات السائدة عن آثار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على مستقبل العمل. والراصد المالي لا يؤيد ولا يعارض مقترح الدخل الأساسي المعمم، ولكنه يساهم في النقاش الدائر بعرض الحقائق والآراء التي تساعد في تقييمه. وينطوي هذا المقترح على إمكانية إحداث أثر كبير على عدم المساواة والفقر – لأنه يغطي كل الأفراد في أسفل توزيع الدخل. ولكن كونه معمما يعني أنه مكلف. ويفيد الراصد المالي بأن إتاحة دخل أساسي معمم بنسبة 25% من المستوى الوسيط لنصيب الفرد من الدخل تنطوي على تكلفة تقدر بنحو 6.5% من إجمالي الناتج المحلي في متوسط الاقتصادات المتقدمة، مع تباين كبير في التقديرات باختلاف البلدان. ومن ثم، لا يمكن فصل النقاش حول الدخل الأساسي المعمم عن النقاش حول تمويله بما يجعل تأثيره محايدا على الموازنة العامة. ومن الاعتبارات الأساسية لتطبيق هذا المقترح أن يكون متسقا مع أولويات المالية العامة الأخرى – لتجنب مزاحمة الاستثمارات في البنية التحتية والتعليم والصحة، على سبيل المثال – وأسلوب تمويله، وهو ما ينبغي أن يتسم بالكفاءة والعدالة. ويمكن أن يكون الدخل الأساسي المعمم خيارا ملائما إذا كان بديلا للإنفاق الاجتماعي غير الكفء وغير العادل.
  • الإنفاق على التعليم والصحة: رغم التقدم الذي تحقق في هذا الصدد، فلا تزال الفجوات قائمة في العديد من البلدان بين السكان المنتمين لمختلف مجموعات الدخل، من حيث فرص الحصول على خدمات تعليمية ورعاية صحية عالية الجودة. ففي الاقتصادات المتقدمة على سبيل المثال، يعيش الذكور الحاصلون على تعليم بعد الثانوي لمدة أطول بنحو 14 عاما من فترة حياة الحاصلين على تعليم ثانوي أو أقل. ويمكن أن يساعد تحسين الإنفاق العام في هذا الصدد، وذلك مثلاً بإعادة توزيع الإنفاق على التعليم (أو الصحة) من الأغنياء إلى الفقراء مع إبقاء الإنفاق الكلي على التعليم (أو الصحة) دون تغيير. ويخلص الراصد المالي إلى أن سد فجوة عدم المساواة في التغطية الصحية الأساسية يؤدي إلى رفع العمر المتوقع، في المتوسط، بنحو 1.3 سنة في البلدان الصاعدة والنامية.

ونأمل أن نكون قد أقنعناكم بشيئين: أن سياسة المالية العامة يمكن أن تُحْدِث فرقا في معالجة عدم المساواة؛ وأن الكفاءة والعدالة يجب أن يسيرا يدا بيد.