بقلم:  جي هي هونغ، تشوكا كوتسان، ويتشنغ ليان، مالهار نابر 

(بلغات أخرى English)

على مدار الثلاث سنوات الأخيرة، أبدت أسواق العمل في كثير من الاقتصادات المتقدمة دلائل متزايدة على التعافي من "الركود الكبير" الذي وقع في الفترة 2008-2009. ولكن رغم تراجع معدلات البطالة، فقد ظل نمو الأجور ضعيفا – مما يثير سؤالا محيرا: لماذا لا يؤدي ارتفاع الطلب على العمالة إلى رفع الأجور؟

وفي سياق إعداد عدد أكتوبر 2017 من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، أجرينا أبحاثا تلقي الضوء على مصادر النمو الضعيف للأجور الاسمية في الاقتصادات المتقدمة منذ فترة الركود الكبير. فمن المهم فهم العوامل وراء انقطاع الصلة بين البطالة والأجور ليس فقط لأغراض السياسة الاقتصادية الكلية وإنما أيضا لاستيضاح آفاق الحد من عدم المساواة في توزيع الدخل وتعزيز الأمن الوظيفي للعاملين. 

تحسَّن نمو الوظائف، ولم يتحسن نمو الأجور بنفس القدر

بدأ نمو الوظائف يتحسن في كثير من الحالات وعادت معدلات البطالة الكلية إلى مستويات ما قبل الركود الكبير. ولكن النمو الاسمي للأجور لا يزال أقل بكثير مما كان عليه قبل الركود. وربما يكون تباطؤ نمو الأجور راجعا إلى الجهود المتعمدة لإبطاء نمو الأجور عن مستوياتها المرتفعة غير القابلة للاستمرار، مثلما حدث في بعض بلدان أوروبا. ولكن هذا النمط أكثر انتشارا.

وهناك عدة عوامل مؤثرة تفسر هذا النمط، وهي عوامل ذات طابع دوري وهيكلي – أو بطيء الحركة.

من العوامل الدورية الأساسية تراخي سوق العمل، أي عرض العمالة الزائد عن الحجم الذي ترغب الشركات في توظيفه.

ولكن، بادئا ذي بدء، من الضروري إدراك أن معدلات البطالة الكلية قد لا تشير إلى تراخي سوق العمل مثلما كانت تفعل في السابق. فقد استمر انخفاض ساعات العمل لكل عامل (استمرارا لاتجاه عام بدأ قبل الركود الكبير).

كذلك شهدت عدة بلدان ارتفاعا في معدلات العمل بدوام جزئي غير طوعي (العاملون لأقل من 30 ساعة أسبوعيا الذين يرغبون في العمل وقتا أطول) وزيادة في نسبة عقود العمل المؤقتة. ويرجع جانب من هذه التطورات إلى استمرار ضعف الطلب على العمالة (الذي يرجع بدوره إلى ضعف الطلب النهائي على السلع والخدمات).

وهناك عامل آخر يؤثر على نمو الأجور، وهو تباطؤ الاتجاه العام لنمو الإنتاجية. فاستمرار ضعف إنتاج العامل في الساعة يمكن أن يقلص ربحية الأعمال مما يعوق نمو الأجور في نهاية المطاف حيث تصبح الشركات أقل رغبة في تحمل أي زيادات سريعة في تعويضات العاملين.

العوامل بطيئة الحركة

وإلى جانب هذه العوامل، هناك عوامل بطيئة الحركة يبدو أنها تعوق نمو الأجور، كالتحول الجاري إلى النظم الآلية (الذي يمثله السعر النسبي للسلع الاستثمارية) وتراجُع توقعات النمو متوسط الأجل. غير أن تحليلنا يشير إلى أن التحول إلى النظم الآلية ربما لا يكون قد ساهم بدرجة كبيرة في إضعاف ديناميكية الأجور عقب الركود الكبير.

كذلك يشير التحليل إلى عوامل مشتركة كبيرة وراء ضعف الأجور في أعقاب الركود الكبير وخاصة في الفترة 2014-2016. وبعبارة أخرى، يبدو أن لأوضاع سوق العمل في البلدان الأخرى أثر متنام على تحديد الأجور في أي اقتصاد، وهو ما يشير إلى الأدوار التي يمكن أن تؤثر من خلالها مخاطر نقل المصانع إلى مواقع أخرى عبر الحدود أو زيادة العرض الفعلي للعمالة على مستوى العالم في سياق من التكامل الاقتصادي الدولي الأوثق. 

العوامل مجتمعة

تتفاوت الأدوار النسبية لتراخي سوق العمل ونمو الإنتاجية عبر البلدان المختلفة. ففي الاقتصادات التي لا تزال معدلات البطالة فيها أعلى بكثير من متوسطاتها السابقة على الركود الكبير (مثل إيطاليا والبرتغال وإسبانيا)، يمكن أن تفسر البطالة المرتفعة حوالي نصف التباطؤ في نمو الأجور الاسمية منذ عام 2007، حيث يشكل العمل بدوام جزئي غير طوعي مزيدا من العبء على نمو الأجور. ولذلك فمن غير المرجح أن يتحسن نمو الأجور إلى أن يقل التراخي بدرجة مؤثرة – وهي نتيجة تتطلب استمرار السياسات التيسيرية لدعم الطلب الكلي.

وفي الاقتصادات التي بلغت معدلات البطالة فيها مستوى أقل من المتوسطات السابقة على الركود الكبير (مثل ألمانيا واليابان والولايات المتحدة والمملكة المتحدة)، يمكن أن يشكل نمو الإنتاجية البطيء نحو ثلثي التباطؤ في النمو الاسمي للأجور منذ عام 2007. ولكن، حتى هنا، يبدو أن العمل بدوام جزئي غير طوعي يشكل عبئا على نمو الأجور، مما يشير إلى أن التراخي في سوق العمل أكبر مما تعكسه معدلات البطالة الكلية. وسيكون من المهم تقييم درجة التراخي الحقيقية في هذه الاقتصادات عند تحديد الوتيرة الملائمة للخروج من مرحلة السياسات النقدية التيسيرية.

تغيرات أوسع نطاقا في سوق العمل

وتشير أبحاثنا أيضا إلى أن تباطؤ نمو الأجور حدث في سياق التغيرات الأوسع نطاقا في سوق العمل. فعلى سبيل المثال، حتى زيادة العمل بدوام جزئي غير طوعي ترجع في جانب منها إلى ضعف الطلب الدوري. وبالتالي، فمن شأن السياسات التيسيرية التي تساعد على زيادة الطلب الكلي أن تخفض هذا النوع من العمل. غير أنه يرتبط أيضا بعوامل بطيئة الحركة مثل التحول إلى النظم الآلية، وتراجع توقعات النمو متوسط الأجل، وتزايد أهمية قطاع الخدمات.

وبعض هذه التطورات تمثل التغيرات المستمرة في العلاقات بين الشركات والعاملين والتي تعكس التحولات الأساسية في الاقتصاد – مع ظهور "اقتصاد العربة" (“gig economy”) وانكماش القطاعات التقليدية كالصناعة التحويلية. ولذلك فقد يحتاج صناع السياسات إلى تكثيف الجهود لمعالجة مواطن الضعف التي تواجه العاملين بدوام جزئي. ومن أمثلة الإجراءات الممكنة في هذا الصدد توسيع تغطية الحد الأدنى للأجور في الحالات الحالية التي لا تغطي العاملين بدوام جزئي، وتأمين المساواة مع العاملين بدوام كامل عن طريق إتاحة الإجازات السنوية والعائلية والمرضية على أساس تناسبي، وتحسين التعليم الثانوي وبعد الثانوي لتعزيز المهارات على المدى الأطول.