بقلم: سيباستيان أسيفيدو، ميتشو مركايتش، إفجينيا بوغاتشيفا، بيتيا توبالوفا

(بلغات أخرى English)

درجة حرارة الأرض في ارتفاع ومناخها يتغير. وسيشكل ارتفاع درجات الحرارة المستقبل الاقتصادي للمجتمعات والبلدان حول الكرة الأرضية. فكل البلدان ستشعر بالآثار السلبية المباشرة للتغير المناخي الكامل. ولكن كما يوضح بحثنا الذي يتضمنه الفصل الثالث في عدد أكتوبر 2017 من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، لن تكون آثار ارتفاع درجات الحرارة متساوية في كل مكان ولن يتحمل مغبة العواقب السلبية إلا الأقل قدرة على تحملها – أي البلدان منخفضة الدخل. 

الاحترار بمعدلات غير مسبوقة

وعلى مدار الأربعة عقود الماضية، ارتفع متوسط درجات الحرارة السطحية بوتيرة غير مسبوقة في العشرين ألف عام الماضية.  ودرجات الحرارة مهيأة لمزيد من الارتفاع بدرجة تتوقف كثيرا على قدرتنا على كبح انبعاثات غازات الدفيئة، وهي العامل البشري المحرك للاحترار العالمي. ومن المرجح أن يزداد تواتر الظواهر الجوية المتطرفة مثل موجات الحر ونوبات الجفاف والفيضانات، كما سترتفع مستويات سطح البحر.

أشد الضرر يصيب أفقر السكان

ويؤثر احترار الكرة الأرضية على البلدان بصورة غير متساوية. فالبلدان منخفضة الدخل لم تساهم إلا بقدر ضئيل في انبعاثات غازات الدفيئة، إلا أنها تتحمل الجانب الأكبر من التداعيات السلبية لارتفاع درجات الحرارة، نظرا لوجودها في أشد أنحاء الكرة الأرضية حرارة.  

وبتحليل الأنماط التاريخية في 180 بلدا على مدار الخمس والستين سنة الماضية يتبين وجود علاقة غير خطية بين درجة الحرارة والنمو، مما يؤكد النتائج السابقة التي خلصت إليها دراسة Burke, Hsiang, and Miguel (2015) في قاعدة بيانات موسعة. وتعني هذه العلاقة أن ارتفاع الحرارة في البلدان ذات الطقس الحار نسبيا، مثل معظم البلدان منخفضة الدخل، يتسبب في تخفيض ناتج الفرد بصورة دائمة.

وتشير تقديراتنا إلى أن ارتفاع الحرارة بمقدار درجة مئوية واحدة في بلد يبلغ المتوسط السنوي لدرجات الحرارة فيه 25 درجة مئوية – مثل بنغلاديش أو هايتي أو غابون – يخفض ناتج الفرد بما يصل إلى 1.5%، وهي خسارة تستمر 7 سنوات على الأقل. وإذا لم يُبذل جهد عالمي لكبح الانبعاثات، فسيؤدي ارتفاع الحرارة المتوقع نتيجة لذلك إلى محو ما يقرب من عُشْر ناتج الفرد في متوسط البلدان منخفضة الدخل مع نهاية القرن الحادي والعشرين، مقارنة بسيناريو عدم تغير درجات الحرارة.

ويضر ارتفاع درجات الحرارة بالنشاط الاقتصادي في البلدان الحارة عن طريق عدة قنوات. فهي تخفض الناتج الزراعي، وتقلل إنتاجية العمالة المعرضة لحرارة الجو، وتبطئ الاستثمار، وتضر بالصحة. ويقطن قرابة 60% من سكان العالم حاليا في بلدان من المرجح أن تؤدي زيادة درجات الحرارة فيها إلى مثل هذه الآثار الضارة. ومع نهاية القرن الحادي والعشرين، من المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى أكثر من ثلاثة أرباع سكان العالم.

إذن، ما الذي تستطيع هذه البلدان فعله لتخفيف العبء الاقتصادي المترتب على ارتفاع درجات الحرارة؟  

الحلول المحلية يمكن أن تساعد – ولكن بدرجة محدودة

ويمكن للسياسات والمؤسسات المحلية السليمة، والتنمية بوجه عام، أن تكبح جانبا من الضرر الناجم عن الصدمات الجوية. فبالرغم من صعوبة التفسير السببي، يشير تحليلنا إلى أن البلدان التي تتمتع بهوامش وقائية تتيحها السياسات – مثل الدين العام المنخفض وأسعار الصرف المرنة – غالبا ما تتكبد خسائر أقل إلى حد ما في الناتج بسبب صدمات حرارة الجو على المدى القصير.

 ومن نفس المنطلق، غالبا ما يكون التعافي من صدمات حرارة الجو أسرع إلى حد ما في البلدان التي تمتلك ركائز للسياسات والمؤسسات تسهل انتقال العمالة ورأس المال عبر قطاعات الاقتصاد والمناطق الجغرافية وتدعم التنمية بشكل عام – كأن تكون فرص الحصول على التمويل فيها أفضل، وبنيتها التحتية عالية الجودة، ومؤسساتها أقوى.   

وهناك أمثلة أخرى لتطويع الاستراتيجيات بنجاح تبعا لتغيرات المناخ. فعلى سبيل المثال، يجمع "برنامج شبكة الأمان الإنتاجية" في إثيوبيا بين الدعم الموجه بدقة للأسر المتضررة ومشروعات وبرامج البنية التحتية لتنويع مصادر النمو. ويمكن أن يؤدي اعتماد التكنولوجيا الملائمة، مثل تكييف الهواء، إلى الحد من تداعيات ارتفاع حرارة الجو على الإنتاجية والصحة. ويمكن أيضا أن يؤدي الاستثمار في بنية تحتية ذكية مناخياً، مثل النفق "الذكي" مزدوج الغرض في كوالا لامبور، ماليزيا، إلى تعزيز صلابة الاقتصاد في مواجهة مخاطر الجو.

المطلوب: حل عالمي

ولكن البلدان منخفضة الدخل ستواجه تحديات في وضع السياسات الصحيحة والقيام بالاستثمارات الضرورية لمواكبة تغير المناخ، ذلك أن احتياجات الإنفاق لديها ضخمة والموارد المتوافرة لها محدودة.  

وحتى إذا كانت السياسات المحلية موجودة، فهي لا تكفي بمفردها لحماية هذه البلدان حماية كاملة من عواقب تغير المناخ. فارتفاع حرارة الجو سيدفع الحدود البيوفيزيائية، مما قد يسبب كوارث طبيعية أكثر تواترا، ويزيد من ضغوط الهجرة ومخاطر الصراع. وقد تتولد تداعيات ضخمة عابرة للحدود من هذه الآثار الناجمة عن تغير المناخ في البلدان الضعيفة، ولن تكون الاقتصادات المتقدمة محصنة من هذه التداعيات أيضا.

ويجب أن يقوم المجتمع الدولي بدور أساسي في دعم جهود البلدان منخفضة الدخل لمواكبة تغير المناخ. وقد ساهمت الاقتصادات المتقدمة واقتصادات الأسواق النامية بنصيب الأسد في حدوث الاحترار الفعلي والمتوقع. ومن ثم، فإن مساعدة البلدان منخفضة الدخل على مواكبة عواقبه يمثل واجبا أخلاقيا وسياسة اقتصادية سليمة تساهم في موازنة فشل البلدان في استدخال تكاليف انبعاثات غازات الدفيئة بالكامل.

وسيتزايد شعور العالم بالآثار السلبية المباشرة للتغير المناخي الكامل عن طريق تكرار الكوارث الطبيعية وارتفاع مستويات سطح البحر وفقدان التنوع البيولوجي. ولا يمكن الحد من المخاطر طويلة الأجل لتغير المناخ إلا بجهد عالمي لاحتواء انبعاثات الكربون ضمن مستويات تتسق مع ارتفاعات أقل بكثير في درجات الحرارة مقارنة بالمتوقع حاليا. فتغيرات المناخ لا تهدد البلدان منخفضة الدخل فقط – إنما جميع البلدان.