بقلم: باتريك بلاغريف، جيانغ هو، كسينيا كولوسكوفا، إيستيبان فيسبيروني

(بلغات أخرى English)

في أعقاب الأزمة المالية العالمية، كان التأييد واسعا للتنشيط المالي بغية المساعدة في تخفيف أثر الركود. وكان التفكير السائد آنذاك أن التنشيط المالي يمكن أن يكون بالغ الفعالية لأن تأثيره على النشاط الاقتصادي غالبا ما يكون أكبر عندما يقل الطلب عن العرض وتقوم البنوك المركزية بإبقاء أسعار الفائدة في مستوى منخفض. ويؤدي هذا بدوره إلى آثار – أو تداعيات – إيجابية أكبر تعبر الحدود إلى البلدان الأخرى.

وبعد ذلك بنحو عشر سنوات، تحسنت الظروف الاقتصادية. فهل لا تزال تداعيات إجراءات المالية العامة مؤثرة حاليا بعد أن أصبح التراخي الاقتصادي العالمي (أي الطاقة الزائدة) أقل حدة والسياسة النقدية أقل تيسيرا؟ الإجابة هي نعم. ولكن كما يشير تحليلنا في الفصل الرابع من عدد أكتوبر 2017 في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، سيعتمد حجم هذه التداعيات على طبيعة الإجراء المتخذ على صعيد المالية العامة – الإنفاق أو الضرائب – بالإضافة إلى الظروف في كل من البلدان المنشئة للصدمات والبلدان المستقبلة لها.   

أوضاع الاقتصاد عامل أساسي

بناء على الدراسات البحثية التي كانت باكورتها دراسة Auerbach and Gorodnichenko (2013)، ننظر في مجموعة واسعة من إجراءات المالية العامة – المرتبطة بالإنفاق الحكومي والضرائب، سواء بغرض التوسع أو التقشف المالي – ونحلل كيف تؤثر أوضاع الاقتصاد على انتقال تداعيات المالية العامة إلى عينة كبيرة من الاقتصادات المتقدمة والصاعدة.

ويخلص تحليلنا التجريبي إلى وجود أدلة قوية على أن أوضاع الاقتصاد تؤثر في تحديد حجم التداعيات المترتبة على سياسة المالية العامة.

ومن المثير للاهتمام أن هذا ينطبق ليس فقط على البلد الذي يتخذ إجراء ماليا وإنما أيضا على البلدان التي تصل إليها تداعيات هذا الإجراء. كذلك تتشكل التداعيات في البلدان المستقبِلة لها تحت تأثير نفس العوامل التي غالبا ما تضخم الآثار المحلية لسياسة المالية العامة.

وعلى سبيل التحديد، يمكن أن تكون التداعيات أكبر بكثير في حالة تراخي الاقتصاد، أو إذا كانت السياسة النقدية مضطرة إلى إبقاء أسعار الفائدة منخفضة رغم ارتفاع الطلب، على عكس الحال في "الأوقات العادية". فعلى سبيل المثال، إذا زاد عجز المالية العامة بنسبة 1% من إجمالي الناتج المحلي في بلد كبير مؤثر على النظام (مثل الولايات المتحدة)، يزداد الناتج في البلد المستقبل بنسبة 0.1% إذا كان هناك تراخ اقتصادي، وحوالي نصف هذه النسبة إذا لم يكن الحال كذلك. وبنفس المنطق، إذا كان سعر الفائدة شديد الانخفاض، يمكن أن تكون زيادة الناتج أقوى بأربعة أضعاف مقارنة بالأوقات العادية.

وهناك أسباب وجيهة لهذه الحالة:

  • من الأرجح أن تكون إجراءات المالية العامة التوسعية على حساب التوظيف في القطاع الخاص حين تكون أسواق العمل ضيقة – أي التراخي الاقتصادي أقل. ويكون التأثير الصافي على الاقتصاد المحلي ضعيفا وكذلك التداعيات التي تنتقل إلى الشركاء التجاريين عن طريق الطلب الأعلى على الواردات. وبالمثل، إذا لم يكن هناك تراخ في البلدان المستقبلة، قد يؤدي ارتفاع الطلب الخارجي إلى إزاحة النشاط في أجزاء أخرى من الاقتصاد، مما يضعف التأثير الكلي.
  • وحين تكون السياسة النقدية غير قادرة على مواجهة آثار إجراءات المالية العامة على الطلب والأسعار أو غير راغبة في مواجهتها، يزداد الأثر المحلي لهذه الإجراءات، كما يزداد أثر التغير في الطلب على الواردات. وينطبق نفس المنطق من منظور البلدان المستقبلة – عند مواجهة تغير في الطلب الخارجي بسبب إجراء على صعيد المالية العامة في بلد آخر، يكون التأثير أكبر إذا لم تواجه السياسة النقدية هذه الدفعة الخارجية.

أداة المالية العامة مؤثرة: الإنفاق مقابل الضرائب

لا تؤدي كل أشكال الدفعات المالية إلى نفس الآثار الداخلية أو التداعيات. فبوجه عام، يُتوقع أن تتحقق أكبر المكاسب من زيادة الإنفاق الحكومي – على تطوير البنية التحتية مثلا – لأنه يدعم الناتج بصورة مباشرة ويمكن أن يزيد الطاقة الإنتاجية للاقتصاد. وكلا القناتين يمكن أن تدفع إلى زيادة أقوى في الطلب على الواردات، ومن ثم إلى دعم أكبر للبلدان الأخرى. وفي المقابل، ليس لتخفيض الضرائب إلا تأثير غير مباشر على الناتج، لأنه يعتمد على قرارات الادخار والإنفاق التي تتخذها الشركات والأفراد.

وتأتي هذه التنبؤات نتاجا لتحليلنا التجريبي الذي يشير إلى أن زيادة الإنفاق الحكومي بنسبة 1% من إجمالي الناتج المحلي تُحْدِث تأثيرا على ناتج البلدان الأخرى – بنسبة 0.15% تقريبا - مقارنة بالتخفيض الضريبي المساوي في الحجم، والذي يمكن أن يقتصر تأثيره على حوالي 0.05% (علما بأن النتائج في هذا الشكل البياني لا تميز بين التداعيات استنادا إلى الأوضاع الاقتصادية).

الانعكاسات على سياسة المالية العامة اليوم

ويتيح تحليلنا معلومات عن الآثار المحتملة عبر البلدان نتيجة لسياسات المالية العامة المحلية. فعلى سبيل المثال، التنشيط المالي في ألمانيا عن طريق زيادة الاستثمار يمكن أن يولد تداعيات مؤثرة تنتقل إلى البلدان المجاورة في أوروبا حيث الناتج لا يزال دون المستوى الممكن وأسعار الفائدة شديدة الانخفاض. ومن المرجح أيضا أن يؤدي الإنفاق على الاستثمار العام إلى توليد كم أكبر من المكاسب العابرة للحدود مقارنة بما يتولد عن التخفيضات الضريبية. وفي المقابل، نظرا للأوضاع الدورية في الولايات المتحدة، فمن المرجح أن يؤدي التنشيط المالي في الولايات المتحدة إلى تداعيات محدودة، وخاصة إذا تم تنفيذه من خلال إجراءات السياسة الضريبية.