في دراسة صدرت مؤخرا، ينظر الصندوق في مدى فعالية أسعار الفائدة السالبة، استنادا إلى التجربة المبدئية في منطقة اليورو والدنمارك واليابان والسويد وسويسرا (الصورة: Tuckraider/iStock by Getty Images)

بقلم: جيوفاني ديلاريتشا، فيكرام هاكسار،  توماسو مانسيني-غريفولي

(بلغات أخرى English)

اعتُمِد الصفر تدريجيا في العالم القديم – شرقا وغربا – باعتباره النقطة المرجعية النهائية التي تتغير الأمور عند تجاوُزها ارتفاعا وانخفاضا. فقد كان الصفر يمثل قاعدة الأهرامات عند المصريين القدماء، كما أصبح نقطة تجمد المياه في العلوم ومنسوب البحر في الجغرافيا ونقطة بدء التقويم في التاريخ.  

وفي عالم السياسة النقدية، جرت العادة على رؤية الصفر باعتباره الحد الأدنى لأسعار الفائدة. هذه الرؤية تغيرت في السنوات الأخيرة في سياق التعافي البطيء من أزمة 2008، حيث وصلت عدة بنوك مركزية إلى الصفر ثم بدأت تخوض تجربة سياسات أسعار الفائدة السالبة. وكان الدافع بالنسبة لمعظمها هو مواجهة التضخم شديد الانخفاض، وإن كان الدافع لدى بعضها هو القلق تجاه العملات بالغة القوة.  

الاستقرار المالي

وظهرت التساؤلات. هل ينبغي أن نقلق بشأن مدى فعالية أسعار الفائدة السالبة وآثارها الجانبية المحتملة؟ هل يمكن لهذه السياسات أن تدعم الطلب؟ هل يمكن أن تؤثر على الاستقرار المالي؟ هل يكون لتخفيض أسعار الفائدة إلى أقل من الصفر آثار مختلفة عما تُحْدِثه أسعار الفائدة التي تتجاوز الصفر؟ وأمام هذه التساؤلات، قدمنا بعض الإجابات في دراسة صدرت مؤخرا تستند إلى التجربة المبدئية في منطقة اليورو والدنمارك واليابان والسويد وسويسرا.

وفي دراستنا هذه، نؤكد ونبني على المناقشات المبدئية في تدوينات هوزيه فينيالز، المدير الأسبق لإدارة الأسواق النقدية والرأسمالية بالصندوق، وعدد من زملائه. ومن بين النتائج التي استخلصناها أن أثر آليات السياسة النقدية على الاقتصاد يتشابه فوق مستوى الصفر وتحته، وأن أثرها الكلي على أرباح البنوك والإقراض بسيط حتى الآن. ولكن لهذه السياسة حدودا.   

لماذا نهتم الآن بآثار أسعار الفائدة السالبة في الوقت الذي نرى تحولا في النقاش نحو عودة أسعار الفائدة العادية؟ هناك سببان. الأول هو أننا اكتسبنا خبرة تراكمية – عامان في معظم الحالات وأكثر في بعض آخر – تكفي لقياس الآثار بدقة أكبر. ثانيا، مع ما تشير إليه التوقعات من أن أسعار الفائدة المنخفضة عموما ستكون هي المعتاد الجديد، يُرجَّح أن ترتفع احتمالات الوصول إلى الصفر إذا دعت الحاجة إلى تيسير السياسة النقدية من جديد.  

ما الداعي للقلق؟

ما نخشاه هو أن تتسبب أسعار الفائدة السالبة في تقليص أرباح البنوك. فالبنوك تحقق أرباحها بتقاضي فائدة من المقترضين تتجاوز ما تدفعه للمودعين. هذا الهامش يمكن أن يتقلص إذا لم تنخفض أسعار الإيداع بسرعة انخفاض أسعار الإقراض أو إذا استقرت في النهاية عند الصفر. وقد يؤدي هذا السيناريو إلى تهديد الاستقرار المالي لأن انخفاض الأرباح يجعل البنوك أقل صلابة في مواجهة الصدمات، كما يمكن أن يضعف أثر السياسة النقدية على الإقراض والنمو واستقرار الأسعار.  

وسوف تتردد البنوك في فرض أسعار سالبة على المودعين الذين يمكنهم سحب أموالهم والاحتفاظ بها في خزائنهم. صحيح أنه من المكلف تخزين الأموال ونقلها وتأمينها، ولكن تكلفة ذلك قد تكون أقل مما تتقاضاه البنوك لحفظ الأموال إذا خفضت أسعار الفائدة إلى أقل بكثير من الصفر. أين النقطة الفاصلة إذاً؟ لا أحد يعلم على وجه اليقين. لكن المودعين أصحاب الأرصدة النقدية الأكبر واحتياجات السيولة الأعلى – مثل الشركات – يمكنهم تحمُّل المزيد من الأسعار السالبة قبل أن يقرروا التحول إلى النقد. ومن ثم تستطيع البنوك تطبيق الأسعار السالبة على بعض مودعيها، وهو ما قد كان.

كذلك تستطيع البنوك حماية هوامش ربحها بتخفيض أسعار الإقراض بنسبة أقل من التخفيض في أسعار الفائدة الأساسية. وسيحدث هذا تلقائيا إذا كانت حوافظها تتألف في الأساس من قروض وأصول أخرى طويلة الأجل وبأسعار فائدة ثابتة. (وفي نفس الوقت، سيؤدي تطبيق التخفيض بهذه الدرجة المحدودة إلى تخفيف الأثر المترتب على تخفيض أسعار الفائدة الأساسية.). وفي هذا السياق، ستكون البنوك الأكثر اعتمادا على الودائع الكبيرة والتمويل بالجملة أكثر ربحية من البنوك التي تعتمد في الأساس على ودائع التجزئة.  

وبالإضافة إلى ذلك، فإن بعض التراجع في هذه الهوامش لا يعني لا يعني بالضرورة هبوط الأرباح. فبإمكان البنوك أن تدعم الأرباح بأن تتقاضى رسوما وعمولات، وتخفض مصاريف مخصصات الخسائر كلما ارتفعت درجة أمان المقترضين، وتتحول إلى تمويل الجملة الأقل تكلفة، وتخفض التكاليف، وتسجل مكاسب رأسمالية من تخفيضات أسعار الفائدة الأساسية. وبالإضافة إلى ذلك، سيؤدي انخفاض أسعار الفائدة إلى تحفيز النمو الاقتصادي ومن ثم الطلب على الخدمات المصرفية، مما سيخفف الضغوط على هوامش الربح. 

الأيام المبكرة

وهناك ما يدعم هذه الرؤية الأكثر إيجابية إذا استعرضنا التجارب القُطْرية المبكرة في إجراء تخفيضات صغيرة نسبيا دون مستوى الصفر.  

وعلى وجه الإجمال، يبدو أن السياسة آتت ثمارها. فقد هبطت أسعار الفائدة في سوق المال وتراجعت عائدات السندات في كل البلدان التي أخضعناها للبحث. كذلك تراجعت أسعار العملات إلى حد ما، على الأقل مؤقتا. وظلت أسعار الفائدة على الودائع موجبة في الغالب، باستثناء ودائع الشركات الكبيرة. وانخفضت أسعار الإقراض إلى حد ما، وإن كان بدرجة أقل من أسعار الفائدة الأساسية. واستفادت البنوك من انخفاض تكاليف التمويل بالجملة، وزيادة بعض الرسوم. وظلت أرباح البنوك صامدة بوجه عام، كما ظل الإقراض متماسكا.

لكن بعض البنوك عانت. فكما كان متوقعا، أثرت أسعار الفائدة السالبة على أرباح البنوك التي يشكل فيها التمويل بالودائع نسبة عالية من التمويل، وصغار العملاء الذين يتعاملون بالتجزئة، والقروض قصيرة الأجل، والقروض المرتبطة بمؤشر سعر الفائدة الأساسي (كما هو الحال لدى بعض الأعضاء في جنوب منطقة اليورو). وتتضرر من ذلك أيضا البنوك التي تواجه منافسة أقوى من جهات الإقراض وأسواق رأس المال التي تقدم التمويل بتكلفة أقل.

إجابة غير كاملة

الأمور لا بأس بها حتى الآن. فيبدو أن سياسات أسعار الفائدة السالبة ساهمت في إحداث بعض التحسن في الأوضاع النقدية المحلية، دون آثار جانبية كبيرة على أرباح البنوك، أو نظم الدفع، أو كفاءة عمل الأسواق.

غير أن أسعار الفائدة الأساسية إذا ظلت سالبة لفترة طويلة، أو كان هناك تفكير في إجراء خفض أكبر دون مستوى الصفر، فإن فعالية السياسة واستقرار النظام المالي يمكن أن يتعرضا للخطر. وبالإضافة إلى ذلك، فإن قدرة المودعين على التحول إلى النقد يمكن أن تحد من درجة التخفيض الذي يمكن إجراؤه في أسعار الفائدة. ولا يزال تعزيز التعافي يتطلب بالضرورة مزيدا من الدعم من السياسة النقدية، مع إصلاحات في سياسة المالية العامة إلى جانب الإصلاحات الهيكلية.