بقلم: مايكل كين و جيم برامبي

(بلغات أخرى English)

غالبا ما يتفق الاقتصاديون على أهمية دور المنافسة في إقامة اقتصاد سوق سليم. إذن، ما هي المشكلة في تنافُس الحكومات لجذب المستثمرين من خلال المعاملة الضريبية؟ المشكلة هي أن البلدان حين تتنافس فيما بينها ويعمل كل منها على تقليص إيرادات الآخر، ينتهي الأمر بأن تضطر إلى الاعتماد على مصادر تمويل أخرى – عادة ما تكون أكثر إحداثا للتشوهات - أو تخفيض الإنفاق العام الضروري، أو كليهما.

ولكل هذا انعكاسات خطيرة على البلدان النامية نظرا لاعتمادها الكبير على ضريبة دخل الشركات كمصدر للإيرادات. ولذلك، فمما يثير القلق البالغ احتمال أن تفرض عليها المنافسة الضريبية ضغوطا تدفعها إلى تطبيق سياسات ضريبية تهدد هذا المصدر الرئيسي للدخل.

 مواكبة الآخرين

ذهب كثيرون إلى أن المنافسة الضريبية بين الحكومات يمكن أن تحد من الإنفاق المهدر للموارد وتعمل على تحسين الحوكمة، وهو الرأي المؤيد لسياسة "شد الأحزمة". لكن حركية الأوعية الضريبية عبر الحدود الوطنية تجعل هذه الميزة أقل وضوحا، سواء كان الوعاء الضريبي مرتبطا بدخل العمل أو المعاملات في السلع الأولية أو الدخل الرأسمالي، وهو المصدر الأكثر شيوعا.  

ومن منظور فني أعمق، نجد أن البلدان غالبا ما تفرض ضرائب – لأسباب وجيهة – على أشياء ضعيفة الاستجابة للضرائب. لكن الحركية الدولية تعني أن استجابة الأنشطة للضرائب تكون أكثر بكثير من المنظور القومي مقارنة بالمنظور الجماعي. وينطبق هذا بوجه خاص على أنشطة الشركات متعددة الجنسيات والدخل الذي تحققه. فبإمكان هذه الشركات أن تتلاعب بالتسعير التحويلي وتستخدم أدوات أخرى لتجنب الضرائب ونقل الأرباح من البلدان ذات الضرائب المرتفعة إلى البلدان التي تفرض ضرائب منخفضة، كما يمكنها اختيار البلد الذي تستثمر فيه. لكنها لا تستطيع نقل أرباحها أو استثماراتها الحقيقية إلى كوكب آخر. فعندما تتنافس البلدان على أوعية ضرائب الشركات و/أو الاستثمارات الحقيقية، يأتي ذلك على حساب بلدان أخرى – تفعل بدورها نفس الشيء. وإذا لم تستفد البلدان من كون الأوعية الضريبية والاستثمارات أقل استجابة على المستوى الجماعي منها على المستوى القومي، فإنها تخاطر بإحداث ضرر مشترك عن طريق ما تسببه من تآكل لمصدر إيرادات قد يكون أكفأ من البدائل الأخرى المتاحة لها.

 وقد انخفضت المعدلات العليا المطبقة على دخل الشركات منذ عام 1980 بمتوسط 20% تقريبا. ولا شك أن ذلك يرجع إلى مجموعة متنوعة من العوامل المؤثرة – كتغير الآراء بشأن تأثير ضرائب الشركات على النمو- لكنه ينبئ بوجود منافسة ضريبية على المستوى الدولي، وهو ما تميل إلى تأكيده الدراسات التجريبية الأكثر تمحيصا.        

 

ولا تزال الإيرادات ثابتة في البلدان النامية بينما زادت الإيرادات في الاقتصادات المتقدمة - ربما نتيجة ارتفاع نسبة رأس المال في الدخل القومي لأسباب غير ذات صلة – غير أنه لا يوجد ما يضمن بقاء الحال على ما هو عليه. وقد تطرأ بعض التطورات التي تتسبب في اشتداد المنافسة الضريبية، كأن يؤدي المشروع المشترك بين منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي ومجموعة العشرين بشأن "تآكل القواعد الضريبية ونقل الأرباح" إلى الحد من تجنب الضرائب، فتزداد المنافسة من خلال وسائل أخرى.      

 

منافسة شديدة وخلافات حادة

وسعياً لتكوين فهم أفضل لهذه القضايا واستكشاف السبل الممكنة لمعالجتها، اشترك صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في تنظيم مؤتمر مؤخرا ضم حوالي مائة خبير ومسؤول في المجال الضريبي. وكان من المشاركين إمبرت سانت جوست، وزير المالية في سانتا لوسيا، الذي قال إن البلدان الأعضاء في منظمة دول شرق الكاريبي تتنافس باهتمام متزايد على جذب السياحة والاستثمار الأجنبي المباشر. وذكر وزير مالية جمهورية صربيا السيد دوسان فويوفيتش أن زيادة العولمة جذبت جميع البلدان إلى دائرة المنافسة، سواء شاءت أم أبت.

وعرضت كيمبرلي كلوزينغ، أستاذ الاقتصاد في كلية ريد، دراسة جديدة تشير إلى أن تأثُّر الربح الورقي بالمعدلات الضريبية ربما يكون أكبر بكثير من المعتقد سابقا. واستشهدت بدراسة أُجريت مؤخرا تخلُص إلى أن كل انخفاض قدره نقطة مئوية في معدل الضريبة المتوسط في مناطق الاختصاص ذات المعدلات الضريبية المنخفضة يقترن بزيادة تتراوح بين 3.5 و7 نقاط مئوية في الأرباح المبلَّغة هناك من جانب الشركات الأجنبية التابعة لشركات أمريكية متعددة الجنسيات. ولا يزال هذا الاستنتاج موضع خلاف. فقد أشار بول ريان من وزارة المالية الآيرلندية إلى أن هذا الأثر، وخاصة من الاقتصادات الأكثر تقدما إلى الأقل تقدما، تشوبه مبالغة في التقدير. لكن المنافسة الضريبية عادة ما يُنظر إليها كمصدر تهديد حقيقي للإيرادات، وخاصة في البلدان النامية.

وهناك حل لهذه المسألة، وهو استخدام التنسيق الدولي لوقف السباق الجاري، أو تخفيفه على الأقل. غير أن القول أسهل بكثير من الفعل.

السلبية العدوانية

وقد تفيد الحلول الجزئية في هذا الصدد لكنها محدودة بطبيعتها. فكما أكد مايكل ديفيرو من جامعة أكسفورد، إذا اقتصر التنسيق على بضعة بلدان وحسب، قد تتعرض هذه البلدان لمنافسة أكبر من البلدان خارج المجموعة. وحتى إذا نسقت جميع البلدان فيما بينها، فقد تظل عرضة لمخاطر المنافسة إذا لم يتم التنسيق في كل جوانب النظام الضريبي ذات الصلة. ومع ذلك، فإن المناهج الجزئية يمكن أن تفيد.

وقد هناك اقتراحات طُرِحت مؤخرا من شأنها إحداث تغيير جذري في نظم ضرائب الشركات. ويشرح غايتن نيكوديم من المفوضية الأوروبية الاقتراح الذي طرحته المفوضية بإيجاد وعاء موحد مشترك لضريبة الشركات. ففي المرحلة الأولى، تقوم الشركات العاملة في أكثر من بلد عضو في الاتحاد الأوروبي بتوحيد أرباحها الخاضعة للضرائب عبر الحدود، وبالتالي يمكن موازنة الأرباح المحققة في أحد البلدان مقابل الخسائر المتكبدة في بلد آخر. وفي المرحلة الثانية، توزّع على الدول الأعضاء للأغراض الضريبية أرباح الشركات المحققة داخل منطقة اليورو، باستخدام صيغة تقوم على نسب أصولها أو عمالتها أو غير ذلك من المؤشرات الأخرى للأنشطة التي تمارسها في كل بلد. لكن ذلك لن يقضي على المنافسة الضريبية، لأن الحكومات سيظل أمامها الحافز لاستخدام معدلات ضريبية منخفضة لجذب المستثمرين أو العمالة أو غير ذلك من العوامل الداخلة في معادلة التوزيع.

وهناك نظام بديل جذب قدرا كبيرا من الاهتمام مؤخرا في الولايات المتحدة وهو ضرائب التدفق النقدي على أساس الوجهة (destination-based cash-flow tax – “DBCFT”) الذي يفرض الضرائب تبعا للمكان الذي تنتهي إليه السلع (الوجهة)، وليس محل إنتاجها. ومن شأن هذا النظام أن يخفف ضغوط المنافسة إذا اعتُمِد من كل الأطراف وتم تصميمه بدقة. أما إذا اعتُمِد على أساس أحادي في بلد أو بضعة بلدان، فسوف يزيد من مشكلات نقل الأرباح بالنسبة للبلدان الأخرى. ويرجع هذا لسبب بديهي، وهو أن أرباح المبيعات المحققة في مكان آخر يمكن أن تُعفى من الضرائب في تلك البلدان، مما يرجَّح معه أن تلجأ البلدان التي لا تأخذ بنظام احتساب الضرائب على التدفق النقدي حسب الوجهة إلى المنافسة بمزيد من العدوانية أو اعتماد نظام خاص بها.      

والواقع أن مشكلات المنافسة الضريبية الدولية لن تنقضي في المستقبل القريب، وهناك أمور كثيرة على المحك بالنسبة للبلدان النامية. وفي مواجهة التحولات الجذرية المحتملة في الأنظمة الضريبية، كالتحول إلى نظام ضريبة الشركات القائمة على الوجهة، زادت أهمية فهم التأثير الذي تُحْدثه السياسات الضريبية الوطنية عبر الحدود وكيفية تصدي الحكومات لها. وتظل هذه القضية محل جدل ودراسة، ويعتزم كل من الصندوق والبنك الدولي مواصلة تحليلها، بما في ذلك في سياق الفعالية رفيعة المستوى التي يشتركان في تنظيمها هذا الأسبوع مع وزارة المالية في إندونيسيا. وفي إطار الرحلة إلى إندونيسيا في الفترة المؤدية إلى الاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي في 2018، ستركز المناقشات على التحديات التي تفرضها المنافسة الضريبية على أعضاء رابطة أمم جنوب شرق آسيا.