بقلم: كريستين لاغارد

(بلغات أخرى English)

يجتمع في برلين بعض كبار صناع السياسات والمستثمرين على مستوى العالم لمناقشة مبادرة جديدة يمكن أن تساعد في إعادة رسم المستقبل الاقتصادي لإفريقيا.

ويمكن لملايين المواطنين رؤية ثمار اقتصادية ملموسة من المبادرة التي أطلقتها مؤخرا مجموعة العشرين، والمعروفة باسم "الميثاق العالمي مع إفريقيا." والهدف من هذه المبادرة هو إعطاء دفعة للاستثمار الخاص عن طريق حشد الخبرات المتخصصة والموارد من الحكومات والمستثمرين والمنظمات الدولية.

ويهدف هذا الميثاق إلى تيسير إقامة المشروعات التي يمكن أن ترفع الإنتاجية ومستويات المعيشة، وإلى خلق فرص جديدة في القارة التي يبلغ 70% من سكانها أقل من 35 عاما.

فالبلدان الشابة تتسم بارتفاع إمكانات النمو الاقتصادي الكامنة أكثر من البلدان الأخرى، ولكن تحقيق هذه الإمكانات الواعدة ليس بالمهمة السهلة. ونعتقد أن هناك حاجة لخلق حوالي 20 مليون وظيفة سنويا في إفريقيا حتى عام 2035 لمجرد استيعاب الداخلين الجدد على سوق العمل.

وبإطلاق الميثاق العالمي من جانب الرئاسة الألمانية لمجموعة العشرين، أُطلِق محرك خلق الوظائف والحد من الفقر. ولكن وصول هذا المحرك إلى العمل بالسرعة القصوى يتطلب من كل طرف أن يساهم في هذه الجهود.  

ويعني هذا بالنسبة للحكومات الإفريقية تكثيف الإصلاحات لتحسين المناخ الاقتصادي والتجاري والمالي، بالإضافة إلى الحوكمة. ويعني هذا بالنسبة لشركائها، ومنهم بلدان مجموعة العشرين والمنظمات الدولية، دعم الجهود المبذولة لوضع وتنفيذ مواثيق استثمار ناجحة تعكس الخصائص المميزة لكل بلد.

ونحن في الصندوق مستعدون للقيام بدورنا، ضمن صلاحيات الصندوق، في العمل على إرساء بيئة اقتصادية كلية قوية والوصول بأعباء الديون إلى مستويات يمكن تحملها. ويشكل هذا أهمية بالغة لأن الاقتصاد السليم ككل فقط هو الذي يخلق استثمارات أكثر – ووظائف أكثر وأعلى أجرا.

ونحن ملتزمون بزيادة التعاون مع البلدان المشاركة في الميثاق، بالبناء على علاقاتنا طويلة الأمد مع كل بلد. واسمحوا لي أن أسوق ثلاثة أمثلة في هذا الصدد:

أولا- إيجاد مصادر أقوى وأكثر ثباتا للإيرادات الحكومية عن طريق المساعدة في إجراء إصلاحات السياسة الضريبية وتعزيز القدرات الإدارية. ونظرا للتركيز على تقوية المؤسسات ونتائج النمو في ظل الميثاق، لا يوجد ما يمنع البلدان من التطلع إلى تحقيق زيادة سنوية في الإيرادات بمقدار 0.5% من إجمالي الناتج المحلي.

وسيساعد هذا في جعل النمو أكثر استمرارية – وأكثر احتوائية – بالحيلولة دون تراكم الديون المفرطة وبتوليد موارد إضافية يمكن استخدامها في استثمارات جديدة في مجالات الصحة والتعليم والبنية التحتية.

ثانيا- تحسين كفاءة الإنفاق على البنية التحتية العامة: يقدَّر الاستثمار اللازم لإفريقيا حتى تتمكن من سد فجوة البنية التحتية بنحو 100 مليار دولار سنويا، ولكن الاستثمار الحالي لا يتجاوز نصف هذا المبلغ. وتشير التحليلات الأخيرة إلى أن العجز الإقليمي في البنية التحتية المادية يخفض النمو بواقع نقطتين مئويتين سنويا – وهو عبء كبير يؤثر على الدخول وخلق فرص العمل وتحقيق الرخاء في المستقبل.

وقد استعانت مؤخرا بلدان مثل غانا وكوت ديفوار وتوغو بخبرة الصندوق وأدواته لرفع كفاءة إنفاقها العام – الذي يمثل عاملا أساسيا للاستثمار في البنية التحتية. وسنعمل هذا العام مع المغرب والسنغال وتونس.

ثالثا- دعم تطور القطاع المالي، بدءا من بناء نظم مصرفية سليمة تخضع لرقابة جيدة، مرورا بالسياسة الاحترازية الكلية، ووصولا إلى إدارة تقلب التدفقات الرأسمالية في أوقات العسر. ونحن نعلم أن ترسخ الاستقرار المالي يعني زيادة الاستثمارات الخاصة والنمو الاحتوائي.

ونعلم أيضا أن الاستثمارات لا يمكن أن تزدهر إلا في البيئة الصحيحة – بيئة تُحترَم فيها سيادة القانون وتتوافر لها الحماية بواسطة مؤسسات قوية. والصندوق مشارك بقوة في هذا الجهد مع بلدانه الأعضاء – بما في ذلك بناء وسائل الوقاية من غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وآخر البلدان التي عملنا معها في هذا الصدد هي غانا والمغرب وتونس.

وتؤكد كل هذه الالتزامات تركيز الصندوق على تنمية القدرات – بما فيها الأنشطة العملية في مجال المساعدة الفنية والتدريب – والتي تشكل حوالي ربع أنشطة الصندوق الكلية. فالدورات التدريبية عبر شبكة الإنترنت، على سبيل المثال، جذبت حوالي 30 ألف مشارك منذ عام 2013 – وأكبر نسبة من المشاركين الحكوميين جاءت من إفريقيا جنوب الصحراء.

وبالطبع، فإننا نساهم أيضا بتقييماتنا السنوية لاقتصادات البلدان ومساعداتنا المالية لها عند الحاجة. والواقع أن لدينا برامج حالية يدعمها الصندوق في الخمسة بلدان الأولى التي يشملها الميثاق، وهي كوت ديفوار والمغرب ورواندا والسنغال وتونس.

ونرى أن هذه البرامج يمكن تعديلها لتتلاءم مع مبادرات الميثاق، مع الحفاظ على صلابة الاقتصاد الكلي وإبقاء الدين العام في حدود يمكن تحملها. وهدفها هو المساهمة في إرساء المواثيق على مسار يؤدي إلى زيادة الاستثمارات الخاصة وخلق فرص العمل.

وفي كل هذه المجالات، نحتاج إلى تعاون دولي أوثق – في إطار الميثاق العالمي مع إفريقيا وما عداه. وكما قال نيلسون مانديلا: "مادام في عالمنا الفقر والظلم وانعدام المساواة الجسيم، لا يمكن أن يستريح أي منا بحق."

وبالعمل معا، لدينا فرصة لتحقيق ما يعد به الميثاق مع إفريقيا وغيره من مبادرات التنمية المهمة. وحتى ذلك الحين، لا يمكن أن يستريح أي منا بحق.