بقلم: فرانسيسكو غريغولي

(بلغات أخرى English)

كُتِب الكثير عن العلاقة بين عدم المساواة والتنمية الاقتصادية، ولكن النظرية تظل غير قاطعة. فحين يزداد تركز الدخل في أيدي بضعة أفراد، يمكن أن يقل طلب عموم السكان وينخفض الاستثمار في التعليم والصحة، مما يضر بالنمو على المدى الطويل. وفي نفس الوقت، هناك مستوى من عدم المساواة يمنح الأغنياء الوسائل اللازمة لبدء أعمالهم الخاصة ويخلق حوافز لزيادة الإنتاجية والاستثمار، مما يعزز النشاط الاقتصادي. ولكن مستويات عدم المساواة المبدئية مهمة أيضا في تفسير ما يترتب على زيادة عدم المساواة من أثر متفاوت على التنمية الاقتصادية في البلدان المختلفة.   

وتفترض الأبحاث التجريبية أن العلاقة بين عدم المساواة والتنمية الاقتصادية تظل دون تغيير بغض النظر عن ترتيب البلد في مقياس عدم المساواة، حسب معامِل جيني (الذي يتراوح بين صفر إذا تساوت دخول الجميع و 100 إذا استحوذ فرد واحد على الدخل كله).  

وفي دراستين صدرتا مؤخرا – هما عبء عدم المساواة وعدم المساواة والنمو: منهج قائم على التغاير – نتعمق في بحث اتجاه هذه العلاقة، باستخدام عينة من 77 بلدا في مراحل مختلفة من التنمية تمثِّل كل المناطق الجغرافية، باستخدام بيانات 20 سنة على الأقل وتقنيات تتلافى بعض مواطن القصور في الأدبيات المتخصصة. ونظرا لنقص البيانات، نركز على عدم المساواة في الدخل فقط دون تحليل مفهوم عدم المساواة في الثروة الذي يعتبر مفهوما مرتبطا أيضا. وما نخلص إليه هو أن أثر عدم المساواة في الدخل على النمو الاقتصادي يمكن أن يكون إما إيجابيا أو سلبيا، وأن اتجاه العلاقة يتغير – أي يبدأ عدم المساواة في الإضرار بالتنمية الاقتصادية – عند بلوغ مستوى معين من عدم المساواة – على وجه الدقة، عند نسبة 27% تقريبا باستخدام معامل جيني.  

كذلك نقيِّم ما إذا كانت بعض الأدوات التي يشيع اقتراحها لمكافحة الآثار الضارة لتزايد عدم المساواة – مثل تعزيز الاحتواء المالي وتشجيع مشاركة المرأة في سوق العمل – تحقق نتائج فعالة في تخفيف الأثر على التنمية الاقتصادية.

ليست كل البلدان سواء

وتشير نتائجنا إلى عدم تطابق البلدان في تأثرها بحدوث تغير في زيادة عدم مساواة الدخل. فعادة ما يكون التأثير المتوسط على نمو نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي سلبيا ودالاً ويستمر لمدة عامين تقريبا، لكنه لا ينطبق على كل البلدان. ففي نيجيريا وبنما والأردن وإكوادور، على سبيل المثال، نجد أن التأثير كبير وسلبي. أما في بلدان أخرى مثل فنلندا فيكون التأثير إيجابيا كما يتبين من نتائج المئين الخامس والعشرين. ويسلط هذا التباين الكبير الضوء على ضعف دلالة الأثر المتوسط الذي يتم تقديره في المعتاد.

عبء عدم المساواة

هناك آثار مختلفة عبر البلدان يمكن ربطها بمستويات مبدئية مختلفة من عدم المساواة. فإذا لم يكن الدخل مركزا إلى حد كبير، يمكن أن تكون زيادة عدم المساواة حافزا للبلدان على زيادة الإنتاجية. أما إذا كان الدخل على درجة عالية من التركز، فإن نفس هذه الزيادة يمكن أن تقود إلى سلوك يغلب عليه السعي للتربح – حيث تستأثر الشريحة العليا بنسبة متزايدة من دخل الأمة. وإذا كان عدم المساواة منخفضا، تقل احتمالات حدوث القلاقل الاجتماعية إذا حدثت أي زيادة فيه؛ وعلى العكس من ذلك، إذا كان عدم المساواة مرتفعا في الأصل، يرجح أن تؤدي أي زيادة فيه إلى تقليص التوافق الاجتماعي وإضعاف القدرة على تنفيذ إصلاحات داعمة للنمو.

ويُبْرز الشكل البياني أدناه وجود علاقة تتخذ شكلا محدبا بين عدم المساواة والتنمية الاقتصادية، مما يكشف وجود ما نطلق عليه اسم "عبء عدم المساواة" (“inequality overhang”). وبعبارة أخرى، يكون تأثير عدم مساواة الدخل على التنمية الاقتصادية إيجابيا بالنسبة لقيم معامِل جيني الصافية الأقل من 27% (حيث يشير الصافي إلى قياس المعامِل بعد الضرائب والتحويلات)، ولكنه يصبح سلبيا إذا تجاوزت القيم 27%. كذلك يزداد التأثير السلبي على التنمية الاقتصادية كلما زاد افتقار البلدان إلى المساواة.

المفاضلات وسياسات الكسب المحقق

إن تحسين فرص الأسر والأعمال في الحصول على الخدمات المصرفية، وكذلك تشجيع مشاركة المرأة في سوق العمل، يمكن أن يساعدا في مكافحة الأثر السلبي لتزايد عدم المساواة على النمو الاقتصادي. غير أن هذين العاملين قد يؤديا في إلى تفاقم الأمور بتحميل الأسر الفقيرة ديونا تمويلية مفرطة أو توليد عرض مفرط للعمالة.

ونجد أن إتاحة الحصول على الخدمات المالية، رغم مرغوبيته بشكل عام، يمكن أن يؤدي إلى زيادة الأثر السلبي لعدم مساواة الدخل على التنمية الاقتصادية، حيث إن البنوك قد تخفض الائتمان المتاح للعملاء على الطرف الأدنى من توزيع الدخل بسبب عدم قدرتهم على السداد. وحتى لا تنشأ هذه المفاضلة، ينبغي النظر في آليات تضمن إمكانية الاستمرار في الاستهلاك عند انخفاض الدخل بالنسبة لمن يفقدون فرص الحصول على الائتمان حينما يصبح الدخل أكثر تركزا. ومن ناحية أخرى، تعتبر زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل كسبا محققا في كل الأحوال لأنها تعزز ذخيرة المهارات المتاحة للعمل وتخفض (أو حتى تزيل) الأثر السلبي لعدم المساواة على النمو.