بقلم مسعود أحمد

(بلغات أخرى English)

ظلت معدلات البطالة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أكثر من 10% طوال السنوات العشر الماضية، وهو أعلى معدل على مستوى العالم. بل إن المعدلات أكثر إثارة للقلق في حالة الشباب، حيث ظلت عند مستوى 25%، مما يعني أن كل أربعة شباب في المنطقة بينهم شاب بدون عمل. وكثير ممن لا يجدون وظائف في الاقتصاد الرسمي ينتهي بهم الأمر إلى العمل في القطاع غير الرسمي بأجور أدنى ودون أي شكل من الحماية ولا الفرص التي يتمتع بها العاملون في القطاع الرسمي.

والاقتصاد غير الرسمي كبير ومنتشر ـ ولا يوجَّه إليه اهتمام في أغلب الأحوال. غير أن تجربة العاملين في القطاع غير الرسمي أصبحت هدفا لأضواء الإعلام بعد أن أقدم محمد بوعزيزي، البائع المتجول في شوارع تونس، على إشعال النار في نفسه في ذلك اليوم المصيري من أيام ديسمبر الماضي، مما أشعل أيضا شراره الاحتجاجات التي شكلت الربيع العربي.

وتشير التقديرات إلى أن الاقتصاد غير الرسمي في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المستوردة للنفط أكبر حجما بكثير منه في العديد من بلدان آسيا وأمريكا اللاتينية. ففي المغرب، على سبيل المثال، يقدّر حجم الاقتصاد غير الرسمي بنسبة 44% من إجمالي الناتج المحلي المقيس رسميا، بينما يقدر بحوالي الثلث في معظم البلدان الأخرى المستوردة للنفط.

وهناك عدة مزايا ترتبط بمحاولة إدخال القطاع غير الرسمي تحت المظلة الرسمية. فالأمر لا يقتصر على كونه غير خاضع للتنظيم ولا الضرائب، بل إن الوظائف التي يتيحها عادة ما تكون منخفضة الأجر ومنخفضة الإنتاجية. وكثيرا ما تؤدي القواعد التنظيمية المتشددة التي تطبق على سوق العمل ومنشآت الأعمال إلى تعميق الحواجز بين القطاعين الرسمي وغير الرسمي. والسعي لكسر هذه الحواجز لن يعمل على تنشيط الاقتصاد وحسب، إنما سيساعد أيضا على تحقيق النمو الشامل للجميع.

روتين مرهق وضرائب مفرطة

إذن لماذا يبقى الناس والمؤسسات في القطاع غير الرسمي؟ غالبا ما يكون الاقتصاد غير الرسمي كبير الحجم نتاجا لبيئة أعمال صعبة ـ تتسم بالروتين المرهق، والضرائب المفرطة، والحوكمة الضعيفة. وبتحليل الدوافع المحركة للاقتصاد غير الرسمي في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المستوردة للنفط، تبين لنا ما يلي:

  • اللوائح المنظِّمة لسوق العمل ـ وخاصة في مصر ولبنان والمغرب وسوريا ـ تكون في الغالب أكثر تقييدا من مثيلاتها في مناطق العالم الأخرى، وتساهم في ارتفاع التكلفة المصاحبة لتوظيف العمالة في القطاع الرسمي. ففي مصر، على سبيل المثال، تؤدي التكلفة المرتفعة التي تترتب على تسريح الموظفين إلى إعاقة التوسع في توظيف العمالة في القطاع الرسمي. فنجد أن الشركات إما تعمل في القطاع غير الرسمي بالكامل، أو تُعيِّن موظفين بشكل غير رسمي لتجنب هذه التكاليف.
  • يعني ضعف المؤسسات والحوكمة أن الحصول على الخدمات العامة ـ وكذلك المزايا المصاحبة للعمل في القطاع الرسمي ـ لا يكون متاحا إلا لقلة محظوظة واسعة الصلات من الأفراد والشركات. ويؤدي الافتقار إلى الشفافية وضعف الحوكمة في معظم الأحيان إلى تشجيع الفساد، وخلق حالة من عدم التكافؤ في الحصول على الفرص والتمويل والخدمات، مما يضعف الثقة في المؤسسات العامة، ويعوق الدخول في القطاع الرسمي.
  • تؤدي القواعد التنظيمية شديدة التقييد في سوق المنتجات وكذلك الأعباء الضريبية المرتفعة إلى زيادة التكاليف المصاحبة للالتزام بها ودخول الاقتصاد الرسمي، مما يشكل دوافع قوية لكي تتجنبها الشركات بالعمل في القطاع غير الرسمي. فالشركات تتجه نحو القطاع غير الرسمي إذا كانت تتحمل تكاليف باهظة أو تستغرق وقتا طويلا حتى تحقق الالتزام المطلوب بالقواعد المنظِّمة للقطاع الرسمي. وقد يكون من الأرخص بالنسبة للشركات غير الرسمية أن تدفع رشوة للحصول على الخدمات العامة أو لتجنب تنفيذ هذه القواعد.

الفرص الضائعة

قد يسأل البعض: وما الضرر في وجود قطاع غير رسمي كبير؟

بالرغم من أن القطاع غير الرسمي يمكن أن يقدم بعض الخدمات المفيدة، فإن العاملين والحكومة غالبا ما يخسرون ـ فالعاملون يخسرون لأنهم يعملون بغير حماية في بيئة غير خاضعة للتنظيم، والحكومة تخسر مصدرا مهما من مصادر الإيرادات الضريبية. وبالإضافة إلى عدم حصول العمالة على المزايا الاجتماعية، فإن مهاراتهم غالبا ما تضعف بمرور الوقت أيضا، لأنهم لا يستخدمون مواهبهم بالكامل ولا يجدون الفرصة لتنمية مواهب جديدة. وبذلك تصبح آفاق التطور الوظيفي بالنسبة لهم محدودة أو معدومة.

وعدم إمكانية الحصول على وظائف مجزية ومنتِجة ـ وخاصة لعدد الشباب المتزايد الذي يدخل القوى العاملة ـ تُتَرجَم إلى فرص ضائعة ومصدر للتوتر بالنسبة للأفراد والمجتمع ككل.

ما الذي يستطيع صناع السياسات القيام به؟

من أجل تحسين الحصول على الفرص الاقتصادية وتحقيق نمو أشمل للجميع، ينبغي أن يعمل صناع السياسات على تخفيض التكاليف والأعباء المصاحبة لدخول الاقتصاد الرسمي.

ويمكن أن يؤدي تغيير القواعد التنظيمية إلى تخفيض التكلفة التي يتحملها أصحاب الأعمال عند تعيين العاملين بشكل رسمي.

كذلك يمكن تشجيع أصحاب المشروعات على إنشاء أعمال جديدة ضمن الاقتصاد الرسمي عن طريق اعتماد قواعد أوضح لبدء منشآت الأعمال الجديدة وتشغيلها. ويعني تطبيق القواعد بشكل عادل ومتسق أن الشركات لن تشترك في المسؤوليات وحسب، بل أيضا في مزايا العمل تحت مظلة الاقتصاد الرسمي.

واستكمالا لهذه الإصلاحات، ينبغي تبسيط اللوائح الضريبية وتحسين إدارة الضرائب. وفي نفس الوقت، سيحتاج العاملون في القطاع غير الرسمي إلى المساعدة في اكتساب المهارات التي يتطلبها العمل في القطاع الرسمي.

لقد كان الربيع العربي تذكِرة لنا بأن النمو وحده لا يكفي، وخاصة إذا كانت ثماره حكرا على قلة محظوظة ولم يكن الانتفاع بها واسع النطاق. وبالفعل، يعتبر وجود قطاع غير رسمي كبير في أي بلد بمثابة إشارة تحذير بأن النمو في هذا البلد ليس شاملا بالقدر الكافي.