بقلم: فيتور غاسبار و لوك إيرو

(بلغات أخرى English)

تقرير الراصد المالي

نحن نعيش في عالم يشهد تغيرات اقتصادية جذرية، حيث أدى الابتكار التكنولوجي السريع إلى إعادة تشكيل جوهرية لطريقتنا السابقة في الحياة والعمل. وفي هذا السياق، زاد ترابط البلدان أكثر من أي وقت مضى بسبب التجارة والتمويل الدوليين، والهجرة، ووسائل التواصل على مستوى العالم، مما عرض العمالة لمنافسة خارجية أكبر. وبينما حققت هذه التغيرات منافع هائلة، فقد أفضت أيضا إلى شعور متنام بعدم اليقين وانعدام الأمن، ولا سيما في الاقتصادات المتقدمة.

وتتطلب الظروف الراهنة حلولا جديدة أكثر ابتكارا، وهو ما يسميه الصندوق سياسات المالية العامة الذكية. ونعني بالسياسات الذكية أنها سياسات تسهل التغيير، وتسخر ما ينطوي عليه من إمكانات النمو، ويحمي المتضررين منه. وفي نفس الوقت، أدى الاقتراض المفرط ومستويات الدين العام القياسية إلى الحد من الموارد المالية المتاحة لدى الحكومة. وبالتالي، أصبح على سياسة المالية العامة أن تحقق المزيد بموارد أقل. ولحسن الحظ، بدأ الباحثون وصناع السياسات يدركون أن أدوات المالية العامة أوسع وأقوى مما كانوا يظنون. وهناك خمس مبادئ إرشادية ترسم حدود هذه السياسات المالية الذكية، ويصفها الفصل الأول في عدد إبريل 2017 من تقرير الراصد المالي. 

1- سياسة المالية العامة ينبغي أن تكون مضادة للاتجاهات الدورية

يمكن استخدام سياسة المالية العامة لتمهيد تقلبات الدورة الاقتصادية، وهو ما يعرف باسم السياسة المضادة للاتجاهات الدورية. ففي أوقات العسر، يتم تخفيض الضرائب وزيادة الإنفاق لزيادة الموارد لدى الشركات والمستهلكين؛ وفي أوقات اليسر، يتم تخفيض الإنفاق وزيادة الضرائب. ولسياسة المالية العامة دور أكبر في تحقيق الاستقرار الاقتصادي اليوم مقارنة بالسابق، لأن البنوك المركزية في كثير من الاقتصادات المتقدمة خفضت أسعار الفائدة حتى تكاد تصل إلى الصفر وأشرفت السياسة النقدية على الوصول إلى حدودها القصوى.   

وفي الظروف العادية، ينبغي أن تعتمد سياسة المالية العامة المضادة للاتجاهات الدورية على "أدوات الضبط التلقائي"، أي على النفقات والإيرادات التي يمكن أن تتكيف مع ما يمر به الاقتصاد من فترات صعود وهبوط. ومثال ذلك تأمينات البطالة. ففي فترات الهبوط الاقتصادي، يصبح من فقدوا وظائفهم مؤهلين تلقائيا للحصول على إعانات حكومية. ولكن أدوات الضبط التلقائي تلك قد لا تكون كافية في البلدان التي تشهد ركودا طويل الأمد والتي بلغت أسعار الفائدة فيها أدنى المستويات الممكنة، مثل اليابان. وفي مثل هذا الموقف، يمكن أن يكون التحفيز المالي المؤقت أداة فعالة في كسر دائرة التراجع التي يتعاقب فيها النمو المنخفض والتضخم المنخفض والدين المرتفع.

وعلى الطرف الآخر من طيف الاقتصادات، ينبغي سحب الدعم المالي في الاقتصادات التي تتسم بتراخ اقتصادي محدود بوجه عام. فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، تقترب الآن من مستوى التشغيل الكامل، ويمكن أن تبدأ العام القادم في تخفيض عجز الموازنة لوضع الدين العام على مسار تنازلي مطرد.

ولكن استخدام سياسة المالية العامة لتمهيد تقلبات الدورة الاقتصادية لا يكون ممكنا في كل الحالات. فبعض البلدان قد تضطر إلى التركيز على تخفيض عجز المالية العامة بغض النظر عن الأوضاع الدورية. وعلى سبيل المثال، تعرَّضت البلدان المصدرة للنفط، مثل المملكة العربية السعودية، لضرر بالغ من جراء انخفاض سعر النفط الخام بأكثر من 50% بعد الذروة التي بلغها في عام 2011. ويجب على هذه البلدان تخفيض الإنفاق للوصول به إلى مستوى يتناسب مع انخفاض الإيرادات. وقد بدأت هذه البلدان بالفعل في إجراء هذا التعديل، ومن المتوقع أن ينخفض عجز موازناتها العامة المجمعة بنحو 150 مليار دولار أمريكي في 2017 و 2018. 

2-   سياسة المالية العامة ينبغي أن تكون مواتية للنمو

يمكن استخدام إجراءات الضرائب والإنفاق لدعم المحركات الثلاثة للنمو الاقتصادي طويل الأجل، وهي رأس المال (مثل الآلات والطرق وأجهزة الكمبيوتر)، والعمالة، والإنتاجية (أو مقدار إنتاج كل عامل في الساعة الواحدة).

  • رأس المال: في كثير من البلدان، هناك دواع قوية لزيادة الاستثمار العام نظرا لانخفاض تكاليف الاقتراض ومواطن الضعف الكبيرة في البنية التحتية.
  • العمالة: ينبغي أن تواصل البلدان تشجيع خلق الوظائف والمشاركة في سوق العمل. ويمكن للاقتصادات المتقدمة أن تخفض ضرائب الأجور والرواتب إذا كانت مرتفعة، وتزيد من استخدام سياسات مثل المساعدة في البحث عن فرص العمل والتدريب، واعتماد إجراءات للإنفاق تستهدف المجموعات الضعيفة مثل العمالة محدودة المهارات وكبار السن. ويمكن للأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية تحسين فرص الحصول على الرعاية الصحية والتعليم.
  • الإنتاجية: هناك طائفة من السياسات يمكن أن تعزز الإنتاجية، ومنها إدخال تحسينات على النظام الضريبي، مثلما يوضح الفصل الثاني من تقرير الراصد المالي.

3-  سياسة المالية العامة ينبغي أن تعمل على احتواء الجميع

كانت العولمة والتغير التكنولوجي محركين أساسيين للنمو والتقارب بين البلدان. فقد تم انتشال أكثر من مليار فرد من الفقر المدقع منذ أوائل الثمانينات، ومعظمهم في الصين والهند. وفي نفس الوقت، زاد عدم المساواة في توزيع الدخل في كثير من البلدان. ففي الاقتصادات المتقدمة، زاد أعلى 1% من الدخول بمعدلات سنوية تقارب ثلاثة أضعاف الزيادة في دخول بقية السكان على مدار العقود الثلاثة الماضية.

وتعتبر الضرائب والإنفاق العام أدوات فعالة لضمان العدالة في توزيع ثمار النمو داخل كل بلد. ومثال ذلك التحويلات النقدية المشروطة (كالتي تُصرف إلى الأسر الفقيرة شريطة أخذ الأطفال إلى العيادات الصحية والتحاقهم بالمدارس) التي تم استخدامها بنجاح لتقليص فجوة عدم المساواة في عدد من بلدان أمريكا اللاتينية.

وينبغي أيضا أن يكون لسياسة المالية العامة دور مساعد في إشراك السكان إشراكا كاملا في الاقتصاد المتغير والتكيف معه. ومن خلال تحسين فرص الحصول على التعليم والتدريب والخدمات الصحية، بالإضافة إلى التأمينات الاجتماعية، يصبح من الأيسر على العمالة أن تتجاوز ظروف المرض وفقدان الوظائف.

4- سياسة المالية العامة ينبغي أن تدعمها طاقة ضريبية قوية 

كيف يمكن لصناع السياسات تحقيق جدول أعمال بهذا الطموح لسياسة المالية العامة بينما بلغ الدين العام مستويات مرتفعة تاريخية؟ من أين يأتون بالموارد اللازمة؟  

تحتاج الحكومات إلى طاقة ضريبية قوية لتنفيذ هذه السياسات التي أوضحناها آنفا. ويتيح فرض الضرائب مصدر إيرادات ثابت وقابل للتعديل يمكن الاستعانة به وقت الحاجة. ويمثل هذا المصدر عاملا أساسيا أيضا في تحديد قدرة البلدان على سداد ديونها.  

ويكسب هذا أهمية خاصة بالنسبة للبلدان منخفضة الدخل. فقد تبين أن نسبة الضرائب إلى إجمالي الناتج المحلي أقل من 15% في حوالي نصف هذه البلدان. وغالبا ما تستنفد مدفوعات الفائدة نسبة كبيرة من إيراداتها الضريبية. ويعتبر بناء القدرة الضريبية من الأولويات القصوى في البلدان منخفضة الدخل حتى تحقق التنمية على أساس قابل للاستمرار.

5- سياسة المالية العامة ينبغي أن تكون حذرة

أوضحت الأزمة المالية العالمية أن الماليات العامة معرضة لمخاطر كبيرة غالبا ما تقدر بأقل من قدرها. فعمليات الإنقاذ للبنوك والركود الاقتصادي العميق وصلا بالدين العام في الاقتصادات المتقدمة إلى مستويات غير مسبوقة في فترات السلم. وتحتاج الحكومات إلى فهم أفضل للمخاطر التي تتعرض لها وإلى اعتماد استراتيجيات لإدارتها. وتقدم الصين مثالا لأهمية السياسات المالية الحذرة. فقد ارتفع الدين في الصين بسرعة بالغة في العقد الماضي – أسرع من أي اقتصاد رئيسي آخر. وتدرك السلطات الحاجة إلى تخفيف وتيرة تراكم الديون والحد من المخاطر المالية.  ويمثل هذا جزءا من العملية الشاملة التي يتم فيها تعديل توازن نموذج النمو في الصين. ومن شأن التبكير بمعالجة هذه المخاطر أن يحسن آفاق النمو القابل للاستمرار على المدى المتوسط إلى الطويل. ويمكن أن تساهم سياسة المالية العامة في الصين بدور مهم في تيسير عملية التكيف. وقد اتخذت خطوات مهمة أو هي في طور التنفيذ بشأن إدارة المالية العامة والعلاقات بين مستويات الحكومة المختلفة.

وعلى وجه العموم، مطلوب من سياسة المالية العامة أن تحقق ما هو أكثر بموارد أقل. ويقترح تقرير الراصد المالي خمسة مبادئ للاسترشاد بها في إدارة السياسة في هذه البيئة الصعبة. ولا يزال المجال متاحا حول العالم لاتباع مزيد من السياسات المضادة للاتجاهات الدورية والداعمة للنمو والقائمة على أساس من الاحتوائية والحذر.