بقلم أنوب سينغ*

تبدو المنطقة الآسيوية معرضة للتأثر بمزيد من الصدمات العالمية، كما ظهر بوضوح مؤخرا مع نوبات بيع الأسهم بأسعار بخسة في مختلف بلدان المنطقة، وتدفقات الملاذ الآمن التي وفدت إلى اليابان. فالمنطقة لا تزال تتميز بأساسياتها الاقتصادية القوية نسبيا ـ والتي تكونت على مدار العقد الماضي ـ بينما تسود أوروبا والولايات المتحدة أجواء من عدم اليقين تحمل معها مخاطر تطورات سلبية كبيرة.

وقد دخل الاقتصاد العالمي الآن في مرحلة جديدة خطيرة، وكما صرحت مؤخرا السيدة مدير عام الصندوق، "إن ما يعزز الطابع الملح الذي يميز الموقف الراهن هو أن له انعكاسات تؤثر على كل بلدان العالم."

ويؤكد تقريرنا عن آفاق الاقتصاد الإقليمي في آسيا وبلدان المحيط الهادئ* أن هذه المخاطر قائمة، ويشدد على ضرورة أن يظل صناع السياسات ملتزمين اليقظة والتحرك السريع في مواجهة هذا المناخ الذي يخيم عليه عدم اليقين الاستثنائي. وقد يكون مشهد المنطقة أكثر هدوءا عند النظر إليه من هنا في طوكيو، مقارنة بما يبدو رؤيته من عواصم البلدان المتقدمة الأخرى. لكن الواقع أن هناك غيوما تنذر بعاصفة في الأفق.

السياسة والإجراء الموازن

ويواجه صناع السياسات الآسيويون تحدي اتخاذ إجراءات موازنة بالغة الدقة. فعلى النقيض مما يحدث في معظم البلدان المتقدمة، لا يزال الطلب المحلي قويا إلى حد كبير في آسيا، حيث تعمل المصانع بكامل طاقتها الإنتاجية تقريبا وما زال معدل البطالة منخفضا. لذلك فإن مصدر القلق الأكبر في العديد من الاقتصادات الآسيوية لا يكمن في احتمال العودة إلى الركود، إنما يتمثل في مخاطر النشاط الاقتصادي المحموم، خاصة مع النمو الائتماني القوي ومعدلات التضخم التي لا تزال على ارتفاعها المزمن. ومن ناحية أخرى، يسجل النمو تباطؤا في المنطقة الآسيوية نتيجة لضعف الطلب الخارجي في المقام الأول. لذلك ينبغي أن تتصدى السياسات لتراجع الصادرات الذي يشكل عائقا معطلا للنمو، في الوقت الذي تسعى فيه إلى احتواء التضخم وفقاعات الأصول.

الوقاية من تداعيات الأزمة

وهناك عدة قنوات يمكن أن تتأثر من خلالها آسيا بازدياد كثافة الاضطرابات في منطقة اليورو. فقد ينسحب المستثمرون الأجانب انسحابا مفاجئا من السوق (وهو ما يحدث الآن بالفعل إلى حد ما، لكن الأمر قد يصبح أكثر سوءا بكثير)، وقد تسحب البنوك الأوروبية المتعثرة تمويلها من فروعها المحلية وتخفض الإقراض عبر الحدود. وأخيرا قد تتراجع أهم أسواق المشتقات ـ والتي أصبحت بعض البنوك المحلية معتمدة عليها. وسيؤثر هذا على مناطق كثيرة في العالم، بما فيها الأسواق الآسيوية التي كانت البنوك الأوروبية فيها مصدرا مهما للسيولة الدولارية.

فكيف ينبغي أن يتحرك صناع السياسات في المنطقة لمواجهة التحديات المحلية وسط هذه البيئة الخارجية غير المستقرة؟ الإجابة باختصار هي المرونة.

  • فينبغي توجيه السياسات نحو إعادة التضخم إلى نطاقه المستهدف في الاقتصادات التي بدأت تصاب بنوبة من النشاط المحموم ولا تزال أوضاعها النقدية متراخية. ولكن صناع السياسات ينبغي أن يكونوا على استعداد لتغيير الوجهة بسرعة إذا تحققت مخاطر التطورات السلبية.
  • ويمكن إيقاف العمل بسياسة التشديد النقدي مؤقتا في الاقتصادات التي لا يزال التضخم فيها تحت السيطرة والروابط المالية العالمية أكثر قوة.

وتتمتع آسيا بأساسيات اقتصادية جيدة، وأمامها مجال أوسع لإجراء تعديلات في السياسة، مقارنة بمناطق أخرى من العالم.

وهناك تحديات مماثلة أمام الاقتصادات الآسيوية منخفضة الدخل والجزرية الواقعة في المحيط الهادئ، ولكنها تتخذ طابعا أكثر حدة في أغلب الحالات. ففي البلدان منخفضة الدخل، تتعقد جهود مكافحة التضخم بسبب قوة الآثار غير المباشرة وتوقعات التضخم الأقل ثباتا. أما الاقتصادات الجزرية الواقعة في المحيط الهادئ فهي تحتاج إلى إجراء المزيد من الإصلاحات الهيكلية لرفع معدل النمو الممكن.

إعادة التوازن على المدى الأطول

إن ضعف الطلب العالمي حاليا إنما يؤكد النفع الذي يمكن أن يعود على آسيا من استعادة توازن النمو* عن طريق التركيز على مصادر الطلب المحلية. وسيستغرق ذلك وقتا، بطبيعة الحال، لكن الجهود يجب أن تبدأ الآن. وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق من المالية العامة يمكن أن يكون عنصرا مهما في هذه الجهود. فتوجيه الإنفاق العام نحو استثمارات البنية التحتية الحيوية من شأنه المساعدة على استعادة النمو، كما يمكن أن يساهم في تشجيع النمو الشامل للجميع ـ وهو مجال تستطيع المنطقة تحسين أدائها فيها إلى حد كبير ـ وسوف أكتب المزيد عنه في الأيام المقبلة.