بقلم: توباياس أدريان  و موريس أوبستفلد

(بلغات أخرى English)

يبدو أن النمو الاقتصادي يواصل التحسن في الاقتصادات الكبرى، ولكن هذا لا يعني أنه بات من الممكن تخفيف القواعد التنظيمية المطبقة على القطاع المالي. بل إن الحفاظ على هذه القواعد أصبح يشكل ضرورة أكبر من أي وقت مضى، وهو ما يَصْدق على التعاون الدولي للتأكد من أمان الأسواق الرأسمالية العالمية وصلابتها في مواجهة الأزمات. ولهذا أكد مجددا وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية الممثلين لمجموعة العشرين دعم بلدانهم لمواصلة إصلاح القطاع المالي، وذلك في الاجتماع الذي عقدته المجموعة الأسبوع الماضي في مدينة بادن-بادن.

وقد كانت الأزمة المالية العالمية لعام 2008 بالغة الحدة في حجم تأثيرها واتساع نطاقه وطابعه المزمن، ولكنها واحدة من سلسلة طويلة من الأزمات المالية التي تضرب بجذورها في عقود بعيدة سابقة. فالأزمات المالية لا تقتصر على إلحاق خسائر مالية بالمستثمرين المحترفين؛ بل إن الأهم أنها تفرض تكاليف إنسانية باهظة على من يفقدون وظائفهم ومنازلهم ومدخراتهم. وتعمل الحكومات بوجه عام على اعتماد مجموعة من القواعد التنظيمية المالية لحماية مواطنيها، بهدف تخفيض مخاطر الفشل التي يمكن أن تت1ردد أصداؤها في كل قطاعات الاقتصاد. وتتضمن هذه القواعد معايير للميزانية العمومية، وقواعد للتداول المبني على معلومات داخلية، وقوانين أوسع نطاقا بشأن تضارب المصالح، وضمانات لحماية المستهلكين.

إفراط في التنظيم؟

يرى البعض أن هناك مبالغة في القواعد التنظيمية القائمة وأنها تؤدي في الغالب إلى الإضرار بالاقتصاد عن طريق خفض أرباح المؤسسات المالية ومن ثم الحد من قدرتها على تقديم الخدمات اللازمة. ويذهب هؤلاء إلى أن البنوك وغيرها من المؤسسات المالية – التي تعمل لصالح مساهميها – لا يمكن أن تغامر بالفشل عن علم. فحتى إذا تجنبت الإعسار، ستكون أضرار السمعة كفيلة بإخراجها من السوق. ولكن التاريخ حافل بأمثلة السلوك الطائش، التي تتراوح بين هَوَس تجارة التوليب الهولندي في القرن السابع عشر إلى طفرة القروض العقارية عالية المخاطر في الألفينات. وحتى عندما يقوم مديرو إحدى المؤسسات المالية بتقييم رشيد لما يتعرضون له من مخاطر شخصية، قد يظلون أقل رشدا مما ينبغي في رأي المجتمع لأن بعض تكاليف الفشل تقع على أطراف أخرى، كحملة الأسهم ودافعي الضرائب الذين يتعين عليهم الدفع في النهاية إذا تدخلت الحكومة للإنقاذ.

ولكن مهمة الإشراف على القطاع المالي، وهي ليست سهلة على الإطلاق، أصبحت أكثر تعقيدا على مدار الخمسين عاما الماضية حيث يتزايد عبور النشاط المالي للحدود الوطنية. ولهذا عززت الحكومات الوطنية تعاونها لدعم الاستقرار وإرساء المساواة للجميع في الأسواق المالية الدولية.

ومع اتساع نطاق التمويل الحديث ليشمل العالم بأسره، تواجه الأجهزة الرقابية والتنظيمية الوطنية أربعة على الأقل من القضايا المعقدة الرئيسية. أولا، من الصعب تقييم عمليات المؤسسات المالية التي تمتد إلى خارج بلدها الأصلي. ثانيا، قد تستغل الشركات المالية وجود فروق تنظيمية بين البلدان لإقامة أنشطتها الأشد خطرا في المواقع التي تخضع لأقل مستويات التنظيم. ثالثا، المؤسسات المركبة التي تمارس عمليات تشمل عدة مناطق اختصاص وطني هي الأكثر صعوبة في التصفية إذا فشلت. رابعا، قد تدخل البلدان في منافسة حامية على الأعمال المالية الدولية مع القيام في نفس الوقت بدعم "أبطالها" المحليين عن طريق المعايير التنظيمية المتراخية. وتؤدي كل هذه العوامل إلى تقويض استقرار النظام المالي العالمي، وخاصة مع زيادة تعقيد الأدوات والشبكات المالية.

لجنة بازل

لمعالجة هذه التحديات، أطلقت الأجهزة التنظيمية الوطنية في 1974 عملية تشاورية وتنسيقية تحت رعاية لجنة بازل للرقابة المصرفية. وتركز لجنة بازل على تنظيم القطاع المصرفي، بينما يتولى مجلس الاستقرار المالي، الذي أنشأته مجموعة العشرين بعد الأزمة المالية في 2008، مهمة تنسيق رسم السياسات التنظيمية بين الأسواق المالية الدولية الأوسع، حيث يجمع تحت مظلته السلطات الوطنية والمؤسسات المالية الدولية والهيئات المعنية بوضع المعايير القطاعية.

وتتعاون الحكومات من خلال لجنة بازل ومجلس الاستقرار المالي لأنه لا توجد سلطة وطنية واحدة تعمل بمفردها يمكن أن تضمن استقرار نظامها المالي في ظل عمل البنوك والمؤسسات المالية على مستوى عالمي. ولا تشجع الاتفاقيات الدولية بشأن المعايير التنظيمية والرقابية حدوث حالة من التسابق لتخفيض هذه المعايير، وذلك بإرساء ساحة عالمية يتنافس فيها المتعاملون في الصناعة المالية على قدم المساواة. وبشكل أعم، حين تتنافس البلدان على أنشطة الأعمال من خلال الإفراط في إلغاء القيود التنظيمية، ينتهي الأمر بوضع أسوأ للجميع لأن احتمالات الحوادث المالية تزداد، وحين تقع، تكون أكثر حدة وأكثر عرضة للانتشار عبر الحدود.

وفي أعقاب أزمة 2008، اضطلعت لجنة بازل بمبادرة رئيسية، تُعرف باسم اتفاقية بازل الثالثة، وهي تتضمن معايير أعلى للحدود الدنيا المتعلقة بجودة رأس المال المصرفي وحجمه (أي رأس المال الوقائي الذي يسمح للبنوك باستيعاب الخسائر دون الوصول إلى حالة الإفلاس والاحتياج للدعم الحكومي). وبينما تعتبر كفاية رأس المال المصرفي مطلبا حيويا، فحتى مستويات رأس المال الأعلى يمكن أن تتعرض للخطر عند حدوث حالة من الذعر الشديد، ومن ثم تتضمن الاتفاقية إجراءات إضافية للحد من المخاطر المصرفية. ونتيجة لذلك، فرغم أن العمل لا يزال جاريا على مستوى العالم لتطبيق اتفاقية بازل الثالثة على مراحل، نجد أن رؤوس الأموال المصرفية أصبحت أفضل بكثير حاليا كما أصبحت البنوك أقل حساسية لنوبات الذعر التي تنتاب السوق مقارنةً بما كان عليه الحال منذ عقد مضى.

وقد فرضت الولايات المتحدة إعادة الرسملة وإعادة الهيكلة على البنوك بصورة أكثر إلزاما بعد الأزمة، فحققت تعافيا أسرع من البلدان التي لم تتخذ هذا المسار. ولكن تحقيق نظام مالي عالمي آمن يحتاج إلى أمور تتجاوز القيود على الميزانيات العمومية للبنوك. ومن هنا، قام مجلس الاستقرار المالي بإنشاء منهج موحد للتعامل مع فشل المؤسسات المالية الأكبر والأكثر تأثيرا على النظام المالي، بالتوازي مع وضع المعايير التي تنص عليها اتفاقية بازل الثالثة. ومن الضروري أن تكون التصفية الآمنة للمؤسسات المعسرة أمرا ممكنا، حتى إذا كانت كبيرة أو دولية أو معقدة أو غير ذلك من المواصفات التي يمكن أن تهدد النظام المالي على نطاق أوسع في حالة الفشل. وإذا تعذر ذلك، تزداد احتمالات الإنقاذ الحكومي، ويصبح تحمل المخاطر مفرطا، ويصاب الانضباط السوقي بالانهيار.

ولا شك أن التنظيم المالي ينطوي على مفاضلات. فمن حيث المبدأ، نجد أن اشتراط قدر أكبر من رأس المال والسيولة يمكن أن يزيد من تكلفة الائتمان على الأسر ومؤسسات الأعمال أو يخفض السيولة السوقية. وتشير الدراسات البحثية حتى الآن إلى أن العواقب غير المقصودة لا تزال محدودة. ولكن لا يوجد شك في المنافع الكبيرة التي ينطوي عليها وجود نظام مالي أكثر أمانا.

وقد أصبح النظام المالي أكثر أمانا بالفعل، ولكن من الواضح أيضا أن القواعد التنظيمية المالية أصبحت أكثر تعقيدا بكثير. ففي الولايات المتحدة، مثلاً، يقع قانون دود-فرانك في أكثر من ألف صفحة كما تولدت عنه قواعد تنفيذية لاحقة تقع في عشرات الآلاف من الصفحات. ومن المؤكد أن هناك إمكانية للتبسيط. فعلى سبيل المثال، يمكن زيادة المرونة في تعيين الحد الذي يتقرر على أساسه تصنيف البنوك باعتبارها مؤثرة على النظام المالي ومن ثم خاضعة لمعايير تنظيمية معززة، وهو يعادل حاليا ميزانية عمومية حجمها 50 مليار دولار أمريكي. ويمكن أيضا تبسيط القواعد التنظيمية المتعلقة بالبنوك الأهلية دون زيادة المخاطر التي تهدد النظام، وهو ما يصدق على تنفيذ اختبارات تحمل الضغوط التي تهدف إلى تقييم مدى صلابة البنوك في مواجهة الصدمات الاقتصادية والمالية المحتملة.

وفي نفس الوقت، يجب الحفاظ على المبادئ الأساسية لمنظومة القواعد التنظيمية العالمية الجديدة. ومن المفارقات في هذا الصدد أن الصلابة النسبية للأسواق المالية في السنوات الأخيرة، والتي جاءت في جانب منها نتيجة لزيادة التشدد في المعايير المتفق عليها دوليا، أصبحت هي نفسها الحجة التي تساق على أن التنظيم المالي يمثل عبئا مفرطا على النمو، وهي رؤية تتسم بقصر النظر. فكما قال هايمان مينسكي، أحد كبار الكتاب المعنيين بالأزمات المالية، "النجاح يولد إغفالاً لإمكانية الفشل ...". وبعبارة أخرى، ينبغي ألا يركن صناع السياسات إلى نسيان الدروس القاسية للماضي غير البعيد. فلا يزال استمرار التعاون المالي الدولي ضروريا – إذ أنه الركيزة الصلبة التي يتأسس عليها اقتصاد عالمي قوي ومستقر.