بقلم: أمينة بوز،  و لويس كوبيدو،   و موريس أوبستفلد

(بلغات أخرى English)

تخبرنا النظرية الاقتصادية الأساسية بأن رأس المال ينبغي أن يتدفق من البلدان الغنية بطيئة النمو إلى البلدان الفقيرة الأسرع نموا بحثا عن عائدات أعلى. ومنذ عقد مضى، قام زملاء لنا سابقون في إدارة البحوث وهم إسوار براساد، وراغورام راجان، وأرفيند سوبرامانيان ببحث الأسباب التي جعلت العكس صحيح—فكان رأس المال عموما يتدفق "صعودا" من البلدان الأفقر إلى الأغنى. وقالوا، استنادا إلى العمل الإبداعي الذي كتبه روبرت لوكاس، إن هناك خصائص معينة في البلدان الأفقر، مثل ضعف المؤسسات وتدني مستويات التعليم، قد تقلل العائدات المعدلة حسب المخاطر على الاستثمار فيها.

ونحن نعيد النظر في هذه المدونة في معضلة التدفق الصاعد ونناقش انعكاساته على السياسات. ونوضح أن التدفقات الصاعدة قد حولت مسارها مؤخرا، بعد أن اشتدت حدتها قبل الأزمة المالية العالمية. وتعود هذه التحولات إلى عدة عوامل، وإن كان من غير المرجح أن يكون تحول مسار التدفقات الصاعدة كبيرا ومستمرا في ظل عودة السياسة النقدية إلى وضعها الطبيعي في الاقتصادات المتقدمة الرئيسية حسب التوقعات وتزايد أجواء عدم اليقين حول السياسات. وينبغي أن تواصل الاقتصادات الصاعدة والنامية في المرحلة القادمة تركيزها على السياسات التي تعزز منافع التدفقات الداخلة، وتخفف تقلب التدفقات الرأسمالية، وتزيد الأسواق المالية المحلية صلابة وعمقا.

التحول في توزيع رأس المال العالمي

كانت مجموعة الاقتصادات المتقدمة خلال السنوات السابقة على الأزمة تتلقى بصفة مستمرة تدفقات رأسمالية داخلة كبيرة على أساس صافٍ. وانعكست هذه التدفقات الداخلة على خروج تدفقات كبيرة ومتزايدة من البلدان النامية— لا سيما الصين، وهي أكبرها، التي كانت بصدد الاندماج في الاقتصاد العالمي— والبلدان المصدرة للمواد الأولية التي استفادت من طفرة أسعار السلع الأولية. وكان تراكم الاحتياطيات الرسمية بالنقد الأجنبي خلال هذه الفترة هو السمة الغالبة على التدفقات الخارجة من الاقتصادات النامية.

ثم بدأت المفارقة تتوارى منذ وقوع الأزمة. فاتجهت الشركات والأسر في الاقتصادات المتقدمة إلى تخفيض ديونها، مما أدى إلى انخفاض الاستثمارات وتراجع التدفقات الرأسمالية الداخلة على أساس صافٍ. ومقابل هذه التطورات، تراجعت التدفقات الخارجة من الاقتصادات النامية حيث بدأت الصين تستعيد توازن اقتصادها بتوجيهه نحو الاستهلاك المحلي بينما اختفى الدخل الاستثنائي من السلع الأولية في البلدان المصدرة لها. وكان تباطؤ التدفقات الصاعدة وتحول مسارها في نهاية المطاف يرجع بدرجة كبيرة إلى تحركات الاحتياطيات الرسمية بالنقد الأجنبي، والتي بدأت تتراجع بوجه عام منذ بضع أعوام ماضية. وفي الواقع، أصبحت التدفقات الخاصة الصافية إلى البلدان النامية سالبة منذ عام 2014، على نحو ما توثقه دراسة أجراها صندوق النقد الدولي في وقت سابق، ووازنتها برغم ذلك التدفقات الداخلة مع قيام البنوك المركزية بتصفية مراكز أصولها الأجنبية.

دور الادخار والاستثمار

كانت غالبية التدفقات الصاعدة في فترة ما قبل الأزمة ترجع إلى عوامل مرتبطة بالادخار ولم تمنع هبوط الاستثمار في الاقتصادات المتقدمة أو ارتفاع الاستثمار في الاقتصادات النامية نسبيا إلى إجمالي الناتج المحلي العالمي. فتراجعت نسب الاستثمار إلى إجمالي الناتج المحلي في الاقتصادات المتقدمة، وكان الانخفاض الحاد في الادخار مع هذا وراء زيادة العجز في الحساب الخارجي. وعلى العكس من ذلك، ازداد الاستثمار بقوة في الاقتصادات النامية برغم اشتداد حدة التدفقات الرأسمالية الخارجة. وهذا الأمر لا يبعث على الدهشة نظرا لانخفاض أرصدتها من رأس المال بوجه عام. ولكن طفرة الادخار كانت تعادل قوة الاستثمار وتتجاوزها. وتشكلت هذه الأنماط بفعل قوى دافعة كالتوجه نحو التصدير بكثافة على حساب الاستهلاك في الصين، وما نتج عنه من ارتفاع في أسعار السلع الأولية.

وفي أعقاب الأزمة، استمر تباعد الاتجاهات العامة للاستثمار والادخار بين البلدان الغنية والبلدان الفقيرة. وفي الاقتصادات المتقدمة، تحسنت أرصدة الحساب الجاري مع هبوط الاستثمارات. وفي البلدان النامية، في الوقت نفسه، ضعُفَت أرصدة الحساب الجاري نتيجة لنمو الاستثمار بوتيرة أسرع نسبيا تجاوزت سرعة زيادة المدخرات، في حين أنه كان أبطأ بكثير مقارنة بمعدله قبل الأزمة. ومن ثم، كانت التدفقات الصافية من المدخرات العالمية في وقت أقرب تتجه نحو دعم زيادة الاستثمار في البلدان النامية.

الآفاق والسياسات

لا يرجح استمرار تدفق قدر كبير من رؤوس الأموال نحو الهبوط في الأجل القريب. فقد تحولت التدفقات الخاصة الداخلة على أساس صافٍ إلى البلدان النامية نحو الجانب السالب مؤخرا. وحقا، فإن تزايد قوة النمو في هذه الاقتصادات واحتياجاتها  من البنية التحتية، وكذلك التغيرات الهيكلية مثل تزايد أعداد السكان المسنين في البلدان الأغنى، كلها عوامل يمكن أن تدفع رأس المال في الاتجاه "الصحيح." ومع هذا، فإن رؤوس الأموال يمكن أن تعود لتتدفق مرة أخرى نحو الاقتصادات المتقدمة بينما هي تشدد سياستها النقدية، وهو الاحتمال الذي بدأ ظهوره على الأرجح عقب ما أثارته الانتخابات الرئاسية الأمريكية من توقعات بتوجه المالية العامة للولايات المتحدة نحو مزيد من التوسع. ولا تزال أجواء عدم اليقين تسود العالم بشكل كبير، لأسباب ليس أقلها تزايد مخاطر الحمائية التي يمكن أن تؤثر بصفة أساسية على الاقتصادات النامية.

ولا يزال جني منافع التدفقات الرأسمالية الداخلة هو أحد التحديات الرئيسية أمام الاقتصادات النامية. وبوجه عام، فإن مجابهة هذا التحدي تقتضي مواصلة تعزيز أطر السياسات بغية الحد من المخاطر المحتملة من تحول مسار التدفقات الرأسمالية. وبينما من شأن مرونة سعر الصرف أن تساعد على توفير هامش وقائي، قد تنشأ الحاجة إلى مزيد من الأدوات في بعض الأحيان للحفاظ على انتظام الأوضاع في السوق. علاوة على ذلك، لا تزال قوة المؤسسات وكذلك أطر السياسات تكتسب أهمية بالغة، على نحو ما يتضح من خلال دراسة سابقة، بما في ذلك سلامة أداء الأسواق المالية المحلية والدولية لتعمل بكفاءة على توجيه المدخرات نحو الاستثمارات.