بقلم: بريثا ميترا (بلغات أخرى English) بدأت الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، تحويل نموذجها القديم للنمو من اقتصاد قائم على التصدير والاستثمار إلى اقتصاد يركز على الاستهلاك. ومع هذا التحول في نموذج النمو ومساهمته في تباطؤ الاقتصاد الصيني، بدأت بلدان العالم تستشعر الأثر. غير أن منطقتي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والقوقاز وآسيا الوسطى تربطهما علاقات محدودة مع الصين – من خلال التجارة في الأساس – ولذلك يرجح أن يقع عليهما أثر طفيف نسبيا في هذا السياق. بل إن الدراسة التي أجريناها مؤخرا تشير إلى بعض الآثار الإيجابية المحتملة. ونظرا لضخامة الاقتصاد الصيني، فسوف تظهر التداعيات بأحد طريقين: إما من خلال الصين ذاتها – وهو ما نسميه الروابط المباشرة – أو من خلال تأثير الصين على النمو العالمي ككل – وهو ما نسميه الروابط غير المباشرة. ولنبدأ بالروابط المباشرة. لا تزال اقتصادات منطقتي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والقوقاز وآسيا الوسطى شديدة الاعتماد على السلع الأولية، وبعضها يصدر إلى الصين. ومع تحول الصين إلى اقتصاد قائم على الاستهلاك، من المرجح أن يستمر طلبها على النفط والغاز دون تغيير كبير، وقد يرتفع مع زيادة الاستهلاك. ومن ثم فلن تتأثر التجارة سلبا بعملية تعديل التوازن في الصين. ويختلف الأمر في حالة البلدان المصدرة للمعادن. ذلك أن تحول الصين عن الصناعة التحويلية ساهم في انخفاض أسعار المعادن العالمية مؤخرا بنسبة تقارب 40%. وقد أثر هذا بشكل خاص على بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مثل موريتانيا ولبنان، وبلدان القوقاز وآسيا الوسطى مثل أرمينيا وجورجيا، التي يشكل النحاس والحديد والمعادن الأساسية الجانب الأكبر من صادراتها السلعية إلى الصين. وننتقل الآن إلى الروابط غير المباشرة. فنظرا لحجم الصين، من المرجح أن تنتقل تداعيات تباطؤها الاقتصادي إلى بقية أنحاء العالم من خلال التجارة وأسعار السلع الأولية ومستوى الثقة. فعلى سبيل المثال، إذا انخفض النمو في الصين بواقع نقطة مئوية واحدة، سيُتَرجم هذا إلى انخفاض قدره ربع نقطة مئوية في نمو مجموعة العشرين، مما يؤدي إلى تداعيات حتمية على منطقتي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والقوقاز وآسيا الوسطى، وخاصة من ناحية التجارة. وسيؤدي تباطؤ النمو العالمي إلى انخفاض الطلب العالمي على النفط، مما يؤثر على البلدان المصدرة له في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والقوقاز وآسيا الوسطى. وعلى وجه الإجمال، ستكون هذه الروابط غير المباشرة هي القنوات التي تنتقل من خلالها معظم التداعيات التجارية لتعديل توازن الاقتصاد الصيني إلى دول الخليج – البحرين والكويت وعُمان وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة – والبلدان المستوردة للنفط في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والقوقاز وآسيا الوسطى (أنظر الشكل البياني). فما هي إذاً آثار تعديل التوازن في الصين على النمو بوجه عام؟ بالنسبة للمنطقتين، سيقع أكبر الأثر على دول مجلس التعاون الخليجي، ولا سيما من خلال الروابط التجارية غير المباشرة. لكن المرجح أن يكون الأثر مقصورا على انخفاض في النمو بمقدار 0.1 نقطة مئوية لكل نقطة مئوية من الانخفاض في نمو الصين (أنظر الشكل البياني). ويعادل هذا، على سبيل المثال، حوالي نصف الأثر على جنوب شرق آسيا، وهي المنطقة التي يُتوقع أن يصيبها الضرر الأكبر. وسيقع أقل الأثر على البلدان المستوردة للنفط في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا – حيث يقتصر على انخفاض بنسبة 0.01 نقطة مئوية لكل نقطة مئوية من التباطؤ الاقتصادي في الصين – إذ يؤدي انخفاض تكلفة النفط إلى تحسن عام في معدلات التبادل التجاري والدخول المتاحة للتصرف وتكاليف مدخلات الإنتاج. فما هي إذاً احتمالات النتائج الإيجابية؟ يمكن أن يؤدي التعرض لتزايد نمو الاستهلاك في الصين إلى دعم الواردات المتعلقة بالاستهلاك، بما في ذلك السياحة. ففي إطار عملية تعديل التوازن، بدأت صادرات الصين تصعد إلى أعلى سلسلة القيمة وتخرج من بعض القطاعات. ومن شأن هذا أن يخلق فرصا (رغم المنافسة مع جنوب شرق آسيا) أمام اقتصادات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والقوقاز وآسيا الوسطى للدخول في هذه القطاعات سواء لتلبية الطلب الاستهلاكي المتزايد من الصين أو لشغل محل الصادرات الصينية إلى بقية أنحاء العالم – مما يدعم النمو وتوظيف العمالة في المنطقة. ومن المتوقع أن تستفيد منطقة القوقاز وآسيا الوسطى بدورها من مبادرة "حزام واحد .. طريق واحد" (OBOR) الصينية التي تسعى إلى زيادة الربط والتعاون بين بلدان أوراسيا. وطبقا للخطط الحالية، يمكن أن تؤدي هذه المبادرة إلى زيادة الاستثمار (غالبا في البنية التحتية) في القوقاز وآسيا الوسطى بنسبة تصل إلى 2% من إجمالي الناتج المحلي سنويا على مدار السنوات الخمس القادمة. وحتى إذا أبطأت الصين خطى الاستثمار، فسوف تجني المنطقة مكاسب كبيرة، إذ أن زيادة العبور على طول الحزام المعني بالمبادرة ستتيح فرصة أمام البلدان لزيادة مبيعاتها للخدمات المتعلقة بالعبور، مثل المطاعم والفنادق ومحطات الوقود. وإذا تباطأت الاستثمارات المتعلقة بحزام المبادرة فسوف يتباطأ هذا الأثر، ولكنه سيستمر في رفع الإنتاجية والصادرات وتوظيف العمالة. فما الذي ينبغي أن يقوم به صناع السياسات في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والقوقاز وآسيا الوسطى إزاء عملية تعديل التوازن الجارية في الصين؟    أولا، من شأن زيادة مرونة سعر الصرف أن تؤدي في بعض الحالات إلى تيسير التكيف مع الصدمات والمساعدة في زيادة التنافسية، وهو أمر بالغ الأهمية لزيادة الصادرات إلى الصين وبقية أنحاء العالم. وثانيا، يمكن زيادة نصيب المنطقة من التجارة مع الصين وبقية أنحاء العالم مع مرور الوقت، وذلك بمساعدة الإصلاحات الهيكلية التي تستهدف رفع الإنتاجية وتعزيز تنافسية الصناعات القائمة على الاستهلاك والسياحة. ولكن النجاح أو الفشل في هذا المسعى سيتوقف على تحسين بيئة الأعمال وزيادة كفاءة سوق العمل وتعزيز مهارات العمالة وزيادة فرص الحصول على التمويل (وخاصة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة) وتحسين البنية التحتية.