بقلم: براكاش لونغاني

(بلغات أخرى English)

 

منذ أربع سنوات، في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، حذرت السيدة كريستين لاغارد، مدير عام صندوق النقد الدولي، من المخاطر المصاحبة لتزايد عدم المساواة، وهو موضوع يتصدر الآن جدول أعمال السياسات العالمية.

ويحظى عمل الصندوق في مجال عدم المساواة بأكبر قدر من الاهتمام، إلا أنه واحد من عدة مجالات جديدة بدأ نشاط الصندوق فيها منذ بضع سنوات. وهناك كلمتان تلخصان أي إطار موحد يغطي كل هذا العمل: النمو الاحتوائي.

فنحن نرغب في النمو ولكننا نريد ضمان النتائج التالية أيضا:

  • توافُر الوظائف للمواطنين – فهي أساس الشعور بالالتحام مع المجتمع والشعور بالكرامة؛
  • تَسَاوي الفرص المتاحة للمرأة والرجل للمشاركة في الاقتصاد – ومن هنا ينبع تركيزنا على قضايا الجنسين؛
  • تَمَتُّع الطبقات الفقيرة والمتوسطة بما يتحقق من رخاء في بلادهم – وهو أساس عملنا المعني بالمساواة والرخاء المشترك؛
  • عدم استحواذ فئة قليلة على ثروات البلاد، كما يحدث عند اكتشاف ثروات طبيعية على سبيل المثال – ولهذا يقلقنا الفساد ونهتم بالحوكمة؛
  • وجود احتواء مالي – فهو ما يُحْدِث فرقا في نتائج الاستثمار والأمن الغذائي والصحة؛
  • اقتسام ثمار النمو، ليس فقط بين أبناء هذا الجيل بل مع الأجيال القادمة أيضا – ومن هنا يأتي عملنا المعني ببناء الصلابة في مواجهة تغير المناخ والكوارث الطبيعية.

وباختصار، الخيط المشترك الذي يربط بين كل مبادراتنا هو أنها تسعى لتشجيع الاحتواء – أي إتاحة الفرصة لكل شخص كي يحقق لنفسه حياة أفضل.

ليست هذه مجرد كلمات منمقة؛ فالضغط على أي رابط من الروابط أعلاه يوضح جهود الصندوق لكي يجعل من عمله المعني بالاحتواء جزءا من عملياته اليومية.

والاحتواء مهم، ولكن للنمو أهمية مماثلة بالطبع. فكما قال ديفيد ليبتون: "حتى يحصل كل فرد على قطعة أكبر من الكعكة، يجب أن تكون الكعكة نفسها أكبر" (Lipton, 2016). وعلى ذلك، فحين ندفع لتحقيق النمو الاحتوائي، لا نكون في موضع تأييد لنموذج الاتحاد السوفيتي السابق أو كوريا الشمالية حاليا – إذ هما مثالان من أمثلة "البؤس الاحتوائي" وليس النمو الاحتوائي. ومن هنا يظل فهم مصادر الإنتاجية والنمو طويل الأجل – والسياسات الهيكلية اللازمة لتحقيق النمو – جزءا جانبا مهما في جدول أعمال الصندوق.

العولمة والاحتواء

انشئ الصندوق لتعزيز التعاون الدولي. وبالتالي، لا يقتصر الاحتواء بالنسبة لنا على اقتسام ثمار الرخاء داخل البلد الواحد وإنما اقتسام هذه الثمار بين كل بلدان العالم. وتمثل التجارة الدولية والتدفقات الرأسمالية والهجرة قنوات يمكن تحقيق هذا الهدف من خلالها. ولذلك نؤيد العولمة بقوة، مع الإقرار بوجود استياء من بعض آثارها وبأنه يمكن عمل الكثير لتعميم ما تحققه من رخاء.

ومن شأن ارتفاع النمو أن يساعد على معالجة بعض الاستياء الحالي، حسب رأي بنجامين فريدمان، الخبير الاقتصادي والأستاذ بجامعة هارفارد، الذي ورد في كتابه المعنون الآثار المعنوية للنمو الاقتصادي. ويوضح فريدمان أن التاريخ يخبرنا بأن النمو القوي الذي تحققه "الأغلبية العظمى" من المواطنين في أي مجتمع يصاحبها قدر أكبر من التسامح في المواقف تجاه المهاجرين، ومزيد من الرعاية للمحرومين في المجتمع، وزيادة في قوة المؤسسات الديمقراطية.

غير أن تصميم السياسات بما يحقق نموا احتوائيا في الأساس هو استجابة أكثر دواما من ترك الأمور للآثار التي تتحقق مع تقاطُر منافع النمو.

سياسات النمو الاحتوائي

  • "الترامبولين" وشبكات الأمان: "لتحقيق نمو اقتصادي أكثر احتوائية، يتعين انتهاج سياسات تلبي احتياجات الأطراف الخاسرة ... وإلا فلن تزداد مشكلاتنا السياسية إلا عمقا" (Lipton, 2016). والسياسات النشطة (التي يشار إليها بسياسات "الترامبولين") مثل المشورة الوظيفية والتدريب التحويلي تساعد العمالة على التعافي من فقدان العمل، إذ تساعدهم على التكيف بصورة أسرع عند وقوع الصدمات الاقتصادية، وتجعل فترات البطالة الطويلة أقصر ومن ثم تحافظ على مهاراتهم من التدهور. ورغم وجود هذه البرامج في كثير من الاقتصادات المتقدمة، فهي تستحق مزيدا من الدراسة حتى يستفيد الجميع من أفضل الممارسات. ولبرامج شبكات الأمان الاجتماعي دور أيضا. فيمكن للحكومة تقديم تأمين على الأجور للعمالة التي يتم تسريحها وتعمل في وظائف بديلة أقل أجرا، كما يمكنها إمداد أصحاب الأعمال بدعم على الأجور لتعيين العمالة المسرحة. وينبغي التوسع في تطبيق برامج مثل البرنامج الأمريكي للخصم الضريبي على الدخل المكتسب حتى يتحقق تقدم أكبر في تضييق فجوات الدخل مع التشجيع على العمل (Obstfeld, 2016).
  • تعميم الاستفادة من منافع القطاع المالي والعولمة المالية: نحن نحتاج إلى "نظام مالي أكثر أخلاقية وأكثر توجها لاحتياجات الاقتصاد العيني – أي نظام مالي يخدم المجتمع وليس العكس" (Lagarde, 2015). فينبغي انتهاج سياسات تتوسع في إتاحة التمويل للفقراء والطبقة الوسطى بما يساعدهم على جني ثمار التدفقات الرأسمالية الأجنبية. وكثيرا ما أدت زيادة حركية رأس المال عبر الحدود إلى إشعال المنافسة الضريبية على المستوى الدولي وحرمان الحكومات من الإيرادات ("سباق نحو القاع ينتهي بالجميع في القاع،" (Lagarde, 2014). ومع انخفاض الإيرادات تواجه الحكومات صعوبة أكبر في تمويل السياسات النشطة وشبكات الأمان الاجتماعي دون فرض ضرائب بالغة الارتفاع على العمل أو ضرائب تنازلية على الاستهلاك. ومن ثم نحتاج إلى التنسيق الدولي لمحاربة التحايل الضريبي والحيلولة دون استحواذ رأس المال على معظم مكاسب العولمة بشكل غير متكافئ (Obstfeld, 2016).
  • "التوزيع المسبق" و"إعادة التوزيع": وعلى المدى الطويل، ينبغي اعتماد سياسات تعزز فرص الحصول على التعليم والرعاية الصحية لجميع طبقات المجتمع من أجل تحقيق مزيد من المساواة في الفرص. لكن انتهاج هذه السياسات ليس مهمة سهلة ولا علاجا سريعا يؤتي ثماره بين عشية وضحاها. ومن ثم يتعين اللجوء إلى إعادة التوزيع على المدى القصير لتكون عنصرا مكملا لسياسات "التوزيع المسبق"؛ وكما ورد في مقالة أوبستفلد إن "سياسات التحويلات والضرائب الأكثر تصاعدية يجب أن تقوم بدور في نشر المنافع الاقتصادية للعولمة على نطاق أوسع" (Obstfeld, 2016).