بقلم أنطوانيت ساييه*

(بلغات أخرى English, Français)

فجأة أصبح التفاوت في توزيع الدخل حديث الساعة. ليس توزيعه بين البلدان وحسب، وإنما في داخل كل بلد أيضا.

ففي شمال إفريقيا والشرق الأوسط، أُوقِدت شعلة الربيع العربي بيد الشباب الباحث عن فرص عمل. وفي الولايات المتحدة، يرى أعضاء حركة "احتلوا وول ستريت" أن الفجوة المتنامية بين الأغنياء والفقرء هي "الشاغل الأكبر"*. وعلى مستوى العالم، تتوالى الإحباطات في تصاعد مستمر.

وماذا عن إفريقيا جنوب الصحراء؟ لا شك أن النمو الاقتصادي المستمر أثمر بعض الإنجازات الهائلة، لكن نسبة كبيرة من السكان لا تزال تعيش أسيرة الفقر. وهكذا تشترك المنطقة أيضا في هذا الشعور بالإحباط تجاه النمو القاصر عن احتواء الجميع.

قصة معقدة

فهل القصة سلبية بالفعل في إفريقيا جنوب الصحراء على النحو الذي يوحي به البطء النسبي في تخفيض نسبة انتشار الفقر وشعور الإحباط الشائع لدى البعض؟ أم أن جوهر الموقف أكثر تشابكا مما يبدو؟

كنت قد كتبت في يوليو الماضي عن أهمية النمو الشامل للجميع* وتساءلت عما إذا كان النمو الاقتصادي أمرا ضروريا أو شرطا كافيا للحد من الفقر. وجاء آخر عدد أصدره الصندوق من تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي لمنطقة إفريقيا جنوب الصحراء ليخطو خطوة جديدة في نفس المسار الفكري، حيث ينظر في المستويات المعيشية لأفقر الأسر وكيف بدأت تتغير بالفعل في بعض بلدان المنطقة.

نظرة في العمق إلى تخفيض الفقر

أولا، لننظر فيما تقوله البيانات المتاحة عن الفقر والنمو. بالنسبة للمنطقة ككل، انخفضت نسبة السكان الذين يعيشون على 1.25 دولار يوميا ـ بالأسعار الدولية في 2005 ـ من 59% في 1996 إلى 51% في 2005. وأثناء نفس الفترة، ارتفع معدل النمو المتوسط بأكثر من الضِعف، من 2.25% قبل عام 1995 إلى أكثر من 5% في أوائل الألفينات. والرسالة التي يمكن استخلاصها من هذه البيانات هي أن الفقر قد تراجع، لكن تأثير النمو كان ضعيفا على نحو مخيب للآمال إذا ما قورن بتجربة المناطق الأخرى.

غير أن الصورة تتغير حين نبدأ الخوض بعمق في هذه البيانات. أولا، إذا قارنا معدل انفخفاض الفقر بين البلدان الأفضل أداء في المنطقة، نجد أن معدلات النمو تبدو مؤثرة بالفعل. فكلما تسارع معدل النمو، كان تخفيض الفقر أكبر في المتوسط. ويبدو أن العلاقة كانت أقل قوة من الملاحظ في بقية أنحاء العالم، لكنها تظل علاقة مؤثرة.

بيانات المسوح

أما بيانات مسوح الأسر فهي كاشفة لحقائق أكثر. وقد درسنا هذه البيانات بعمق لكي نرصد التطور في أحوال فرادى الأسر في المنطقة حتى نتمكن من مقارنة التغيرات بين أحوال معيشة الأسر في مختلف قطاعات السكان. ولم نكن لندهش إذا تبين لنا أن النمو أدى إلى تخفيض الفقر بدرجة كبيرة في العديد من البلدان التي كان الكثير من الأسر يعيشون فيها تحت خط الفقر مباشرة. لكننا فضلنا النظر إلى هذه الأسر من منظور أوسع.

فوسط زخيرة البيانات التي تتيحها مسوح الأسر، هناك معلومات عن استهلاك كل أسرة، بما في ذلك أنواع الغذاء التي تتولى الأسر زراعتها. وبملاحظة مدى تغير مستويات الاستهلاك مع مرور الوقت، يمكن أن نستشف الكثير عن مدى استفادة كل السكان من مزايا النمو. وهكذا تتبعنا تغيرات الاستهلاك ـ على فترات فاصلة تتراوح بين خمس وست سنوات ـ في 6 بلدان هي الأكثر تمثيلا للبلدان الأخرى في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء، وهي الكاميرون وغانا وموزامبيق وتنزانيا وأوغندا وزامبيا. شمول النمو لكل السكان.

مزايا ارتفاع النمو

وجاءت النتائج مؤيدة للفكرة القائلة بأن النمو المرتفع كان شاملا للجميع.

  • فبالنسبة لأفقر 25% من السكان، ارتفعت مستويات استهلاك الفرد بسرعة أكبر بكثير من معدلات التضخم في ثلاثة من البلدان الأربعة الأسرع نموا التي غطتها دراستنا ـ حيث بلغ متوسط الزيادة السنوية 4% بالقيمة الحقيقية.
  • لكن علامات التحسن في استهلاك الفرد بين الأسر الفقيرة كانت أقل في اثنين من البلدان منخفضة النمو.
  • وكانت النتائج غامضة بالنسبة لستين بلدا، بسبب عدم التأكد من طريقة قياس التغيرات السعرية.

ويشير تحليلنا أيضا إلى أن توفير فرص العمل في المناطق الريفية، وخاصة في القطاع الزراعي، يرتبط بتحقيق نمو أشمل للمواطنين، مما يزيد استهلاك الأسر الفقيرة ويحسن مستوياتها المعيشية. والواقع أنها نتيجة معقولة، لأن الأسر في المناطق الريفية تمثل ثلثي السكان تقريبا في البلدان الستة الواردة في الدراسة. وبمزيد من التحديد:

  • في أوغندا والكاميرون، وجدنا أن الاستهلاك الحقيقي للفرد زاد في الأسر الفقيرة عنه في الأسر الغنية. وفي نفس الوقت، حدثت زيادة كبيرة في توظيف العمالة في القطاع الزراعي.
  • وفي المقابل، كان نمو استهلاك الفرد في أفقر الأسر نموا ضعيفا أو سالبا في موزامبيق وزامبيا، بينما تراجعت فرص العمل في القطاع الزراعي الريفي في البلدين.

اعتبارات السياسة

ويبدو أيضا أن خصائص مثل مستويات التعليم وموقع إقامة الأسرة تساهم إلى حد كبير في تفسير فروق الاستهلاك، وهو ما يتيح معلومات مهمة يسترشد بها صناع السياسات.

  • فعلى سبيل المثال، عن طريق تخصيص موارد من الموازنة لتحسين استهداف الخدمات الصحية والتعليمية، يمكن تحقيق تحسن كبير في مستوى رفاهية الأفراد ذوي الأوضاع الهشة وتعزيز ما لديهم من إمكانات لتحقيق العائد.
  • ويمكن أن تساهم برامج التحويلات الموجهة للمستحقين في جعل النمو أكثر شمولا للمواطنين، بأن تعيد توزيع المنافع المتحققة منه على نطاق أوسع.
  • ومما سيساهم أيضا في توسيع نطاق المستفيدين من النمو أن يتم اتباع سياسات لرفع الإنتاجية الزراعية ـ عن طريق تحسين مستلزمات الزراعة أو الاستثمار في البنية التحتية لقطاعات الطاقة أو الري أو النقل.

إن إحباطات الفقراء مفهومة تماما. لكن الأمل ربما يكون أكبر مما يُستشف من مقاييس الفقر. فالنمو يحقق مكاسب بالفعل، وإن كانت أقل مما نتمنى.

لكن الهدف يجب أن يكون تحقيق المزيد. ونأمل أن تكون نتائج تحليلنا عاملا مساعدا في توفير ما يلزم لصناع السياسات نحو تحسين توجيه الدعم إلى فئات السكان الأكثر احتياجا وتصميم السياسات التي يرجح أن تعطي دفعة للنمو الدائم على أساس أكثر عدالة.

* باللغة الإنجليزية