economicsoflanguagephoto_arabic

اقتصادات اللغة تعطي دروسا مهمة بشأن أفضل طريقة يمكن أن تدمج بها أوروبا المهاجرين

باري شيزويك

التمويل والتنمية سبتمبر 2016

(بلغات أخرى English)

استقبلت البلدان الأوروبية في عام 2015 ما يزيد على مليون مهاجر من شمال إفريقيا والشرق الأوسط، أساسا من الصراعات في سوريا والعراق. وبعضهم من اللاجئين الذين هربوا من الحرب الأهلية والتمييز والأوضاع الفوضوية. والبعض الآخر من المهاجرين لأسباب اقتصادية بحثا عن فرص أفضل. وتتحدث الغالبية العظمى من المجموعتين اللغة العربية أساسا وسيستقرون بشكل دائم في أوروبا، حيث لا تنتشر اللغة العربية ولكن تعيش فيها مجموعات كبيرة من الناطقين بها. وعلى الرغم من أن بعضا من هؤلاء المهاجرين سيجيدون لغة البلد المضيف لهم، فإن الحال ليس كذلك بالنسبة لمعظمهم.

وركزت الطفرة الأخيرة للهجرة الدولية على الاهتمام باقتصادات اللغة - المحددات والنتائج – بما في ذلك آفاق العمل وإمكانات الكسب – المتعلقة بإجادة المهاجرين للغة البلد المضيف لهم. ويعتمد النجاح الاقتصادي للمهاجرين بشكل كبير على مدى إجادة وسرعة تعلمهم للغة بلدهم الجديد.

وقد استفادت البحوث النظرية والتجريبية، التي قمت بها بنفسي أو التي أجراها زملائي في نفس المجال، من الزيادة الحديثة نسبيا في البيانات الجزئية الكبيرة الموجودة في البلدان الرئيسية المستقبلة للمهاجرين، والتي تحدد المهاجرين ولغتهم الأصلية ومدى إجادتهم للغة الرئيسية للبلد المضيف، إلى جانب الخصائص الاجتماعية والديمغرافية والاقتصادية ذات الصلة.

تعلم اللغة

إن إجادة اللغة هي نوع من أنواع رأس المال البشري، شأنها شأن المهارات الأخرى المكتسبة في المدرسة أو في العمل. وهي سلعة اقتصادية مفيدة مهنيا وشخصيا واجتماعيا ويمكن اكتسابها مقابل تكلفة من حيث الوقت والمال يتحملها الأفراد، وفي حالة الأطفال، الآباء أو مقدمو الرعاية. وعلى الرغم من اختلاف التأثيرات إلى حد ما عبر البلدان، فإن المهاجرين الأكثر إجادة للغة البلد المضيف هم الأوفر حظا في الحصول على وظيفة، ويحققون دخلا أكبر عند التوظيف، وهم الأوفر حظا في أن يصبحوا مواطنين، وتزيد احتمالات زواجهم من أشخاص من خارج بلدهم الأصلي أو مجموعتهم الإثنية.

وركزت البحوث المتعلقة بمحددات إجادة المهاجرين للغة البلد المضيف – التي أُجريت في العديد من البلدان المستقبلة للمهاجرين، بما في ذلك أستراليا وكندا وألمانيا وإسرائيل والمملكة المتحدة والولايات المتحدة –على أربع مسائل: التعرض للغة والجيوب السكنية والكفاءة والحوافز الاقتصادية.

التعرض للغة البلد المضيف يمكن أن يحدث قبل الهجرة أو بعدها. فيمكن أن يتعلم الناس اللغة قبل الهجرة من خلال برامج رسمية أو غير رسمية للتدريب اللغوي أو عن طريق التعرض لوسائط الإعلام وعبر الإنترنت. كذلك يمكن أن يتضمن التعرض للغة بعد الهجرة برامج رسمية أو غير رسمية للتدريب اللغوي، ولكن التعلم من خلال المعيشة، الذي عادة ما يقاس بطول مدة إقامة الشخص في البلد الجديد، هو أكثر الطرق فعالية لاكتساب اللغة. والإقامة المتقطعة، التي ربما تنشأ من الهجرة ذهابا وإيابا (التي يقوم بها الزوار المؤقتون أو ما يُطلق عليهم الطيور العابرة، الذين يعودون إلى أوطانهم حاملين مدخراتهم كل عام أو ما شابه ذلك)، أو التطلع إلى هجرة مؤقتة فحسب يقللان الحافز على إجادة اللغة. ويميل المهاجرون المكسيكيون في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، إلى أن يكونوا أقل إجادة للغة الإنكليزية من المهاجرين المماثلين، ويرجع ذلك نوعا ما إلى أنهم أكثر عرضة للهجرة ذهابا وإيابا.

الجيوب السكنية: إن العيش والعمل في مجتمع إثني والاقتران بأشخاص يتحدثون نفس اللغة ييسر انتقال المهاجرين الوافدين حديثا، ولكنه يكون بثمن. فتستغرق عمليات ضبط الأوضاع ذات الصلة باللغة وإقامة شبكات وغيرها وقتا أطول. وبالتالي ما يمكن أن يكون مفيدا على المدى القصير قد يصبح ضررا بمرور الوقت.

وكثيرا ما ترتبط اللغة ارتباطا وثيقا بالتفضيلات الثقافية أو السلع الإثنية التي يستهلكها أساسا أفراد مجتمع إثني ونادرا ما يستهلكها الآخرون. ويتضمن ذلك الأغذية الإثنية (اللحوم الحلال على سبيل المثال) والملابس الإثنية (الساري). وتربط اللغة الأشخاص الذين ينتمون إلى دور عبادة إثنية، وأندية اجتماعية، وشبكات الصداقات وأسواق الزواج. فالعيش بين آخرين لديهم خلفية لغوية مماثلة والطلب على نفس الأغذية الإثنية يخفض تكلفة المعيشة ويشجع ظهور مجتمعات أو جيوب إثنية. وعلى سبيل المثال، فإن تكلفة شراء زيّ الساري بالنسبة للمهاجرين من الهند أو الذهاب إلى معبد هندوسي من حيث المال والوقت تكون أقل كلما زادت المنافسة بين مقدمي الخدمات وكلما زاد عدد وتنوع الاختيارات. ولكن الجيوب الإثنية تعاني في كثير من الأحيان من الحرمان فيما يتعلق بالسكن والصرف الصحي والأمن نظرا للإنفاق المحدود من جانب حكومة البلد المضيف.

ولا يعتمد ظهور مثل هذه الجيوب بين المهاجرين على عدد المهاجرين مقابل السكان الأصليين وتركزهم الجغرافي فقط، ولكنه يعتمد أيضا على مدى تنوع لغاتهم. ومن الأرجح أن ينشئ تدفق المهاجرين المتجانسين لغويا جيبا لغويا مقارنة بالتدفق المماثل في الحجم لمهاجرين ناطقين بلغات مختلفة. كما أن العيش والعمل في جيب لغوي أسهل إذا كان عدد كبير من الناس في بلد المقصد يتحدثون لغة المهاجر. ومن الأسهل بكثير تجنب التواصل بلغة بلد المقصد أو التقليل منه إلى أدنى حد إذا كان الجيران والزملاء يتحدثون لغة المهاجر الجديدة، وإذا كانت الوسائط وجهات التواصل الاجتماعي وشبكات العمل متاحة بهذه اللغة أيضا. وعلى سبيل المثال، فالمهاجر الوافد حديثا ويتحدث اللغة الباسكية في ألمانيا سيجد عددا قليلا من الأشخاص للتواصل معهم بهذه اللغة، ولكن المهاجر الوافد حديثا ويتحدث اللغة التركية سيجد مجتمعا كبيرا راسخا من متحدثي اللغة التركية.

تزداد احتمالات التوظيف مع زيادة إجادة المهاجرين للغة البلد المضيف.

الكفاءة هي القدرة على تحويل التعرض للغة جديدة إلى إتقان أكبر لها. والسن محدد أساسي للكفاءة. فيمكن للمهاجرين الشباب أن يكتسبوا المهارات اللغوية للبلد المضيف بشكل أسرع وبدقة أكبر من المهاجرين الأكبر سنا. فالتعليم يزيد من الكفاءة في اكتساب لغات جديدة، كما يفعل في حالة المهارات الأخرى. وهناك عامل آخر للكفاءة وهو درجة التقارب اللغوي – مدى تقارب لغة الشخص الأصلية أو اللغة الأم مع لغة بلد المقصد. وعلى سبيل المثال، فاللغة الإيطالية أقرب لغويا إلى اللغة الفرنسية من اللغة الصينية، وبالتالي فإن المهاجرين الإيطاليين يتعلمون اللغة الفرنسية بسهولة أكبر من الصينيين.

الحوافز الاقتصادية هي العامل المهم الأخير الذي يؤثر على ما إذا كان المهاجر سيجيد لغة البلد المضيف وسرعة إجادته لها. وتكون الحوافز الاقتصادية لتعلم اللغة أقوى إذا كان الشخص يتوقع إقامة طويلة وغير متقطعة. ويكون السائحون والزوار المؤقتون أقل حماسا من المهاجرين الدائمين في تعلم لغة بلد المقصد. وتختلف فوائد تعلم لغة بلد المقصد باختلاف المهارة أو المستوى التعليمي. فالأشخاص الأعلى مهارة يميلون إلى العمل في وظائف تتطلب إجادة لغة بلد المقصد، ولكن يكون ذلك أقل أهمية بالنسبة للأشخاص الذين يعملون في وظائف عديدة تتطلب مهارات أقل. ويحتاج المهندسون والتقنيون المهاجرون عموما إلى درجة من الكفاءة في إجادة لغة بلد المقصد لتكون مهاراتهم منتجة، بينما قد لا يحتاج عمال النظافة والحمالون إلى ذلك.

طالع المقال في التمويل والتنمية سبتمبر 2016.