بقلم: إيان بريمر و ديفيد ليبتون

(بلغات أخرى English)

غالبا ما تختفي روح التعاون الدولي ما إن تشتد الحاجة إليها ويصبح وجودها واعدا بالكثير. وحينئذ، يتسبب غياب التعاون في وقوع الأزمة، ثم تفرض الأزمة التعاون في وقت متأخر، ولكن هذا التعاون يجب أن يبدأ بلملمة الأجزاء المبعثرة.

وقد شهدنا ذلك أثناء "الكساد الكبير" حين عجز المجتمع الدولي عن إيجاد أرضية عمل مشتركة والتعاون معا في سياسات النقد والصرف والتجارة. ثم انتهت الحرب العالمية الثانية، التي ربما كانت أكبر جائحة في التاريخ على الإطلاق، ووُلِد من رحم هذا الفشل ودروسه المؤلمة ما عرفناه طيلة حياتنا من تعاون على الصعيدين الاقتصادي والسياسي. والآن، بعد أن بدأت قوى التمزق الاقتصادي والسياسي تطل برأسها من جديد، أيكون مصيرنا المحتوم هو تكرار أخطاء تاريخنا السابق؟

لقد ظلت البلدان طوال جيلين كاملين تدعم نظاما عالميا قائما على الترتيبات المؤسسية الرامية إلى حماية الاستقرار الاقتصادي وصيانة الأمن. ورغم أن هذا النظام ليس مثاليا، فقد حظي بتأييد واسع النطاق لما يتيحه من تعاون دولي مؤثر وبَنَّاء مع الاحتفاظ بقدر كاف من الحقوق والسيادة الوطنيين لاكتساب تأييد كبير ومستمر. وأثناء فترات الرخاء الطويلة التي تخللها الركود، وطوال فترة الحرب الباردة وما بعدها، أثمر هذا النظام عقودا من التقدم والاستقرار الاقتصادي، وارتفاعات غير مسبوقة في مستويات المعيشة أدت إلى انتشال مئات الملايين من براثن الفقر وظهور طبقة وسطى عالمية.

استياء متزايد

غير أننا نشهد اليوم تصاعدا في التحديات التي تواجه النظام العالمي، بما في ذلك تآكل التأييد الشعبي، ومناخ من عدم اليقين يزداد عمقا. وسنسعى إلى تعزيز الحوار بشأن التعاون في ندوة تعقد في 7 أكتوبر القادم أثناء اجتماعات الصندوق السنوية في واشنطن العاصمة. وقد كتب إيان دراسة مرجعية في هذا الخصوص أيضا.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تشهد الاقتصادات المتقدمة استياء متزايدا بسبب الأضرار التي خلفتها الأزمة المالية العالمية، وتباطؤ زيادة الدخل، وظهور التكنولوجيات التي تلغي الحاجة لكثير من الوظائف، وما أسفر عنه الترابط العالمي من تشريد للأفراد والجماعات. وهكذا أصبحت الآثار السلبية للرأسمالية الحديثة بادية بكل بوضوح.

ويستمر تآكل العقد الاجتماعي مع ركود أجور الطبقة الوسطى وفرص العمل المتاحة لها والزيادة المستمرة في عدم المساواة. وفي هذه الظروف يحقق القادة السياسيون الانتهازيون نجاحا في اللعب على أوتار الخوف من التغير السريع الذي يبدو خارج نطاق سيطرة المواطن العادي – وحتى ممثلوه المنتخبون. فمن المفارقات أن التقدم الاقتصادي الذي حققته الأقليات والنساء في الولايات المتحدة، والذي يحتفي به الكثيرون، أثار ردة فعل عكسية ممن يشعرون أنهم عاجزين عن اللحاق بالركب. وتسعى بعض اقتصادات الأسواق الصاعدة بجهد جيهد للتعامل مع الفجوة المتسعة بين التوقعات المتزايدة للطبقة الوسطى الجديدة وقدرة الحكومات على تحقيق التزاماتها مع تباطؤ النمو العالمي والمحلي.

ولكن التحديات تمتد إلى أبعد من النطاق الاقتصادي. بل إن عوامل الاقتصاد والسياسة والأمن تشابكت برباط لا ينفصم في عالمنا الحالي. والأهم من ذلك كله أن المشهد السياسي العالمي آخذ في التغير. فطوال ما يقرب من عقد كامل، ركزت الولايات المتحدة وأوروبا طاقتهما السياسية على التعافي من الأزمة العالمية، فأثر هذا التركيز على إرادة المشاركة الاستباقية في معالجة شواغل العالم الأوسع. وفي نفس الوقت، بدأت موازين القوة الاقتصادية والسياسية تميل في اتجاه الصين نظرا لنموها السريع وانخراطها النشط في آسيا وإفريقيا. ورغم حدوث بعض التباطؤ في الصين، فهي لا تزال تساهم بنسبة 37% من مجموع النمو العالمي. وتطالب بلدان الأسواق الصاعدة بحقها المشروع في المساهمة بدور أكبر في قرارات المحافل والمؤسسات الدولية.

القوى الجغرافية السياسية

وفي تلك الأثناء، ظهرت قوى من غير الدول لتفرض مخاطر وتكاليف جديدة من شأنها زيادة التعقيدات أمام جهود التعاون. فقد ولدت الحروب في الشرق الأوسط دولا فاشلة، وتسببت في ظهور "داعش"، وأسفرت عن سيل من اللاجئين يثقل كاهل المنطقة وأوروبا. وأصبح الإرهاب والتهديدات الإلكترونية واقعا يثير القلق في كل البلدان. وكل هذه قضايا لا يمكن التعامل معها إلا بالتعاون الدولي.

وفي عالم الجغرافيا السياسية، توجد عوامل مهمة أخرى تنشئ تعقيدات أمام العمل التعاوني. فهناك استياء شديد، وإن لم يكن جديدا، من تكتيكات الولايات المتحدة، بما في ذلك استخدامها المتكرر للعقوبات (والذي ينظر إليه بمثابة "تسليح للتمويل")، والهجمات التي تشنها بطائرات دون طيار داخل حدود البلدان الأخرى، ومراقبتها لقادة البلدان الأجنبية.

ويواجه القادة الأوروبيون مجموعة ضخمة من المشكلات الداخلية – منها إدارة أزمة اللاجئين، والتفاوض على ترتيبات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والسيطرة على الإرهاب، وتهدئة السكان الذين أرهقهم الإصلاح والتغيير.

وأخيرا، هناك القوى الصاعدة – البرازيل والهند والصين وروسيا وجنوب إفريقيا – وغيرها من القوى التي تتطلع لمزيد من النفوذ في مناطقها وفي العالم، إلى جانب القوة والنفوذ في المؤسسات العالمية بما يتناسب مع أهميتها ومصالحها الدولية المتنامية. ونظرا لاقتناع هذه البلدان بأن البلدان المتقدمة لن تتنازل عن مكتسباتها في هذا المجال، فقد بادرت باقتراح وتمويل مناهج بديلة، سواء من خلال إنشاء مؤسسات مثل "البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية" و"بنك التنمية الجديد" التابع لاقتصادات الأسواق الصاعدة، أو بتكثيف جهودها الوطنية لدعم التنمية وتوسيع نطاق نفوذها الخارجي.

ولكن هناك بعدا آخر يزيد من تعقيد المشهد، وهو ظهور التكنولوجيات الجديدة المثيرة للارتباك، بما في ذلك التقدم في مجال المعلومات، ودفاتر الحسابات الرقمية الموزعة، وتقنيات البيانات الضخمة، بالإضافة إلى الذكاء الاصطناعي. وتفتح هذه التطورات كثيرا من الآفاق الواعدة، ولكنها تثير تساؤلات حول مدى ربحية واستمرارية المؤسسات والشركات القائمة، وقد تتسبب في إضعاف فعالية النظم القانونية والتنظيمية القائمة.

ولأن هذه الاتجاهات تحيط المستقبل بأجواء من عدم اليقين، فقد تؤدي أيضا إلى إضعاف الطلب من خلال تشجيع المدخرات الوقائية ودفع المستثمرين القلقين إلى البقاء في مقعد المراقب.

فكيف يمكن أن تخطط للتقاعد في هذه الأجواء المحاطة بعدم اليقين، وخاصة حين تظل أسعار الفائدة قريبة من الصفر؟ كيف يمكن الاستثمار في مستقبل أوروبا في وقت "الخروج"؟ كيف يمكن الاستثمار في الشرق الأوسط حيث تتفكك الدول، وتتحول التحالفات، وتظهر أطرافا فاعلة من غير الدول؟ كيف يمكن الاستعداد للاضطرابات داخل كل بلد مع استمرار إحلال الماكينات محل العاملين، أو تَمَكُّن الجماعات غير المنتمية إلى دول من تحدي قدرة الدولة على الحكم الفعال، عن طريق استغلال تكنولوجيا المعلومات؟

"ماذا نحن فاعلون"؟

وتكرارا لسؤال شاع في مطلع القرن الماضي، عندما كثرت الشكوك في صلاحية النظام العالمي، نتساءل مرة أخرى: ماذا نحن فاعلون؟

المفارقة في المأزق الحالي – كما قلنا في البداية – هي أن بإمكاننا تحقيق إنجازات أكبر من أي وقت مضى بالترابط والتعاون. فإذا كانت الاقتصادات المتقدمة تواجه تحديات أصعب مع نضجها وتباطؤ نمو إنتاجيتها، فمن غير المحتمل أن يكون بمقدورها الاستغناء عن مكاسب التجارة. وبالمثل، سيظل عالم الأسواق الصاعدة يعتمد على التجارة ورأس المال والتكنولوجيا التي تشكل مقوما أساسيا في الترابط العالمي حتى تحافظ على نموها المرتفع وصولا إلى معدلات نمو أسرع وتقارب مأمول في مستويات المعيشة.

ومن الضروري حماية مكاسب العولمة بالتكتل معا بغية تنشيط النمو. ولا تزال مجموعة العشرين للاقتصادات المتقدمة والصاعدة تساهم بدور حيوي في هذا السياق، وينبغي لبلدانها الأعضاء أن تبادر بتنفيذ وتعجيل مبادرة النمو التي أطلقتها المجموعة في قمة هانغزو لهذا العام، بحيث تستفيد من كل روافع السياسات – النقدية والمالية والهيكلية – لتحسين أوضاع الاقتصاد العالمي. ويوضح التحليل الذي أجراه الصندوق مؤخرا أنه لا تزال هناك أوجه تضافر هائلة ينطوي عليها العمل الشامل والمنسق والتعاوني. فبالعمل معا، من الممكن والمجدي أن نحقق ما هو أكثر بكثير.

ولكن في سياق هذه الجهود، علينا أن نعزز الطابع الاحتوائي لاقتصاداتنا العالمية والوطنية بما يحد من انعدام الأمن الاقتصادي وتصاعد عدم المساواة اللذين صاحبا العولمة. ففي المجتمع الرأسمالي، غالبا ما يسفر التغيير عن أطراف فائزة وأخرى خاسرة. ونحن ندرك أيضا أن "الهدم البناء" على المستوى الجغرافي-السياسي يزيد من البلبلة التي يثيرها التشريد الاقتصادي.

ولذلك، يجب أن تكون جهودنا المبذولة لرفع النمو مصحوبة بسياسات تدعم الفقراء والمشردين أو المتأثرين سلبا بالتغيير. وعلى بلداننا أن تكون أكثر انفتاحا لسياسات إعادة التوزيع، وهو ما يتطلب تركيزا خاصا على تزويد العمال المسرحين – في كل من الصناعات والخدمات – بالمهارات التي تمكنهم من المنافسة في اقتصاد القرن الحادي والعشرين. ذلك أن الرسائل الشعبوية تفقد إلحاحها وجاذبيتها كلما استطاعت الحكومات تحقيق تطلعات مواطنيها لرفع مستويات المعيشة وتعزيز الأمن الشخصي. والرخاء بدوره يدعم الأمن والتعاون على المستوى الجغرافي-السياسي.

وثمة حديث خيالي يتردد كثيرا هذه الأيام حول بناء الأسوار. ولكن السور الوقائي الذي نحتاجه على أرض الواقع هو تعزيز المصدات الواقية من الأزمات المستقبلية، وهو جهد يتطلب تنسيقا أفضل للحد من تداعيات مواطن الضعف الاقتصادي، كما يتطلب قواعد تنظيمية مالية أقوى لحماية الأسواق المصرفية والرأسمالية من الانتهاكات، وتعاونا وتنسيقا في المجال الضريبي للحد من تآكل الإيرادات الوطنية نتيجة لنقل أرباح الشركات عبر الحدود.

وتدعو هذه الجهود إلى زيادة اعتناق مبدأ التعددية القطبية في عالمنا المعاصر. ومن هنا نحتاج إلى حماية المؤسسات الرئيسية متعددة الأطراف، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة الأمم المتحدة، وإصلاحها متى دعت الضرورة. فاستمرار تأثير هذه المؤسسات يعتمد على السماح بتطور الحوكمة حتى تعكس واقع القوة العالمية المتغير. وينطوي نفس المنهج على تدعيم وإدماج المؤسسات والمبادرات الجديدة التي تدعمها الأسواق الصاعدة. ويدعو هذا المنهج أيضا إلى تعزيز الترتيبات المالية الإقليمية القائمة، مثل مبادرة شيانغ ماي، بمزيد من التعاون والتنسيق.

وأخيرا، لقد حان الوقت لإزالة الفجوة القديمة بين الاقتصاد والأمن في صنع السياسات الوطنية والدولية. فالاثنان لا ينفصلان في عالم معولم تتردد في جنباته أصداء النزاعات على الأراضي والتقلبات في الأسواق فتثور الاضطرابات في كل مكان بغض النظر عن مفاهيمنا التي تنتمي للقرن العشرين. وبالإضافة إلى ذلك، لا سبيل إلى تجاوز مخاطر الدول الفاشلة، والأطراف الفاعلة من غير الدول، والصراعات الإقليمية، إلا من خلال منهج متكامل – منهج يدرك أن للتهديدات الأمنية تداعيات اقتصادية، وأن عدم الاستقرار الاقتصادي يولد تهديدات أمنية.

ولكي لا نكرر أخطاءنا السابقة ونستسلم للتمزق الاقتصادي والسياسي، حان الوقت لإقامة حوار جاد والتحلي بروح التعاون من جديد.