بقلم مارتن سومر ، هوان تريفينو ، نيل هيكي

(بلغات أخرى English)

أدى الهبوط الكبير والمطول في أسعار النفط منذ منتصف 2014 إلى تغيير أحوال الكثير من البلدان المصدرة للطاقة حول العالم. وينطبق هذا بوجه خاص على بلدان الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، لأنها تضم 11 من بلدان العالم العشرين الكبرى المصدرة للنفط. وقد تحولت غالبية موازناتها العامة من تحقيق فائض إلى تسجيل عجز كبير (الرسم البياني 1)كما تباطأ فيها النمو، وزادت المخاطر على استقرارها المالي. وفي مثل هذه البيئة المحفوفة بالتحديات، لن يكون اتباع سياسة "العمل كالمعتاد" أمرا كافيا – فسيكون على صناع السياسات اعتماد تدابير مؤثرة لوضع الميزانيات العامة على مسار أسلم، ومعالجة المخاطر التي تتعرض لها السيولة وجودة الأصول في القطاع المالي، وتحسين آفاق النمو. وستكون هذه عملية صعبة وطويلة الأجل، ولكن الأمر المبشر هو أن كثيرا من البلدان بدأت بداية قوية، وخاصة فيما يتعلق بسياسات الميزانية.

blog oil chart1

تقييد الإنفاق
في المراحل المبكرة من انخفاض أسعار النفط، اتخذت معظم البلدان إجراء ملائما حين استعانت بمدخراتها لمواجهة نقص الإيرادات النفطية. ولما أتضح أن هذا الانخفاض سيستمر، قامت البلدان المصدرة للنفط بتخفيضات كبيرة في الإنفاق، وهو تحرك بديهي لأن النفقات العامة كانت قد تضخمت في فترة ارتفاع أسعار النفط. وتشير خطط الميزانية لعام 2016 إلى أن جهود تخفيض العجز ستزداد عمقا، حيث يتم التخطيط لتدابير تصحيحية كبيرة في عمان وقطر والمملكة العربية السعودية.
و قد استهدفت البلدان بوجه عام تحقيق وفورات في كل من النفقات الجارية والاستثمارية. وتشير الأدلة القُطْرية المقارنة إلى منطقية تعديل فئتي الإنفاق المذكورتين – فمن الملاحظ، على سبيل المثال، أن مستويات الإنفاق الرأسمالي في بلدان الخليج والجزائر وآسيا الوسطى المصدرة للنفط أعلى من مستويات نظيراتها من الأسواق الصاعدة (الرسم البياني 2). وفي نفس الوقت، يُلاحَظ أن أجور القطاع العام أكبر بكثير في دول الخليج والجزائر، وهو وضع مستقر منذ وقت طويل في إطار العقد الاجتماعي بين صناع السياسات ومواطنيهم.

blog oil chart2
كذلك يستهدف صناع السياسات أسعار الطاقة المحلية المنخفضة بصورة مصطنعة. فقد جرت العادة على أن تكفل القواعد التنظيمية الحكومية أسعار منخفضة للوقود والمياه والكهرباء كجزء آخر من العقد الاجتماعي. ومن ثم، يمثل إصلاح هذه الأشكال من الدعم (التي أفاد معظمها الأثرياء) دليلا جديرا بالترحيب على التغير الهائل في سياسات البلدان المصدرة للنفط. وقد اتخذ كل من عمان والإمارات العربية المتحدة، ثم قطر في تاريخ أقرب، خطوة أخرى باستحدات التسعير التلقائي، حيث تتعدل أسعار الطاقة المحلية تبعا للمعايير القياسية الدولية. ويتمثل التحدي القائم أمام صناع السياسات عبر بلدان المنطقة في تحريك أسعار الطاقة نحو المستويات الدولية على نحو يحد من الأثر الاجتماعي السلبي؛ كأن يتم ذلك من خلال التحويلات الموجهة لشرائح السكان محدودة الدخل على سبيل المثال.

مصادر جديدة للإيرادات
غير أن ضبط الإنفاق ما هو إلا جزء من معادلة المالية العامة في البلدان المصدرة للنفط، حيث يشكل إيجاد مصادر جديدة للإيرادات اعتبارا مهما آخر. وقد بدأ ظهور عدد من الخطط الواعدة، وخاصة المناقشات الجارية في دول الخليج لتطبيق ضريبة القيمة المضافة. وسيكون هذا إنجازا كبير للمنطقة التي اعتادت الاعتماد بصورة أساسية على الإيرادات المرتبطة بالهيدروكربونات. وبالتوازي مع هذه الجهود، بدأ عدد من دول الخليج زيادة رسوم الخدمات ورسوم المنتجات وضرائب دخل الشركات. ويُلاحَظ أن الضرائب غير النفطية أكثر تطورا بكثير في بلدان آسيا الوسطى المصدرة للنفط، ولكن هناك مجالا لتخفيض الإعفاءات وزيادة التحصيل (الرسم البياني 3).

blog oil chart3jpg
وقد حققت بلدان آسيا الوسطى المصدرة للنفط بعض الضبط غير المباشر لأوضاع ماليتها العامة، عن طريق السماح لأسعار صرفها بالانخفاض. وأدى ذلك إلى رفع قيمة إيرادات التصدير وما يتصل بها من ضرائب بالعملة المحلية. غير أن هذه المكاسب المالية لن تستمر إلا في حالة عدم زيادة نفقات المالية العامة، وخاصة أجور القطاع العام، تمشيا مع انخفاض سعر الصرف.
وقد أحدث تعديل سعر العملة في هذه الاقتصادات بعض الآثار الجانبية غير المرغوبة أيضا، بما في ذلك الضغوط التضخمية والمخاوف بشأن استقرار النظم المالية التي تتسم بدرجة عالية من الدولرة. ولذلك، تواجه بلدان آسيا الوسطى المصدرة للنفط أيضا تحدي تعزيز أطرها المنَظِّمة لسياسات النقد والصرف والقطاع المالي.
الدفع نحو التنويع
لن تصبح الإيرادات النفطية كافية في السنوات القادمة لكي تمارس الحكومات دور صاحب العمل الرئيسي تجاه السكان الشباب المتنامية أعدادهم بسرعة. ولذلك، يجب على صناع السياسات أن يتوصلوا إلى سبل لتشجيع تنمية القطاع الخاص ومساعدة اقتصاداتهم على تنويع الأنشطة بعيدا عن النفط. وتستفيد دول الخليج بالفعل من البنية التحتية عالية الجودة، ولكنها تواجه معوقات البيروقراطية والثغرات الباقية في أطرها القانونية والتنظيمية، كما يمكنها إدخال مزيد من التحسينات على جودة التعليم. ويمكن تعزيز جودة المؤسسات في بلدان آسيا الوسطى المصدرة للنفط والجزائر في عدد من المجالات، بما فيها إنفاذ العقود، والفساد، والحصول على التمويل.