Masood Ahmed بقلم مسعود أحمد

 

ظلت بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تعتمد بشدة طوال عدة عقود على دعم أسعار الغذاء والوقود كشكل من أشكال الحماية الاجتماعية. وفي خطوة مفهومة، لجأت الحكومات مؤخرا إلى زيادة الدعم لمواجهة ارتفاعات أسعار السلع العالمية والتطورات السياسية الإقليمية.

وعلى غرار أمور كثيرة أخرى، قد يكون للدعم وقته ومكانه المناسب. لكن تحسين توجيه الدعم مطلب ضروري. وتتوافر بدائل أفضل في كثير من الأحيان. بدائل توفر للفقراء حماية أفضل.

مسار باهظ التكلفة

من السمات البارزة لبلدان المنطقة أنها شديدة الاعتماد على دعم الأسعار، حيث شكل دعم أسعار المنتجات البترولية في المنطقة حوالي ثلث الدعم الكلي لهذه المنتجات على مستوى العالم في عام 2009، طبقا لتقديرات الوكالة الدولية للطاقة. كذلك يُلاحظ انتشار الدعم على أسعار المواد الغذائية في المنطقة أيضا.

أما تكلفة هذا الدعم فتحديدها يغلب عليه التخمين، لكننا نقدر* أن يكون قد بلغ حوالي 200 مليار دولار في عام 2010 ـ ما يعادل 8% تقريبا من إنتاج المنطقة. وكانت تكلفة دعم الغذاء حوالي 15% من هذا المقدار، بينما انفرد دعم أسعار الوقود والكهرباء بالنسبة المتبقية.

وقد يكون الدعم مطلبا رائجا، لكنه مشوب بالعيوب، الأمر الذي لا يقتصر على ارتفاع تكاليفه. وعلى سبيل التحديد:

  • الدعم ليس فعال التكلفة أو لا يوجه إلى الشرائح الأكثر احتياجا؛
  • الدعم يشجع الاستهلاك والإهدار، وخاصة دعم الطاقة؛
  • الدعم قد يتسبب في الإضرار بالبيئة، وعدم الكفاءة في خيارات الاستثمار، والمشكلات في القدرة التنافسية؛
  • الدعم يمكن أن يفرض ضغوطا على الموارد العامة ويزيد من تفاقم مستويات الديون؛
  • الدعم يشجع الأنشطة المهدرة للموارد من المنظور الاجتماعي، مثل التهريب ومعاملات السوق السوداء.

وعلى سبيل المثال، يُلاحَظ أن استهلاك الطاقة في الإمارات العربية المتحدة وإيران (معدلة لاستبعاد فروق الدخل) أعلى من استهلاكها في الولايات المتحدة بنسبة تتجاوز 50%. وفي مصر، ورد في التقارير أن دعم الأسعار أدى إلى استخدام الخبز كعلف للحيوانات وغذاء للأسماك.

أفضل كإجراء مؤقت

من الطبيعي أن يكون دعم الأسعار الذي يستفيد منه الجميع دعما ضعيفا من حيث استهداف المستحقين، ومن ثم فهو ليس أكثر السبل فعالية فيما يتصل بتكلفة توفير الحماية الاجتماعية. وينبغي بالفعل اعتبار دعم الأسعار إجراء مؤقتا. ولنأخذ حالة الأردن مثلا، حيث يحصل أفقر 40% من السكان على أقل من ربع مجموع الإنفاق على دعم الوقود.

وغالبا ما كانت محاولات الإلغاء التدريجي لنظم الدعم محفوفة بالتحديات. فبعض إصلاحات الدعم أدت إلى خفض المصروفات، وخاصة في الثمانينات والتسعينات، لكن المحاولات في هذا السياق كثيرا ما أصيبت بالانتكاس بعد أن قوبلت بالمعارضة (العنيفة في بعض الأحيان) أو تم التراجع عنها أمام التذبذبات الكبيرة في أسعار السلع الأولية.

وبعض أسباب صعوبتها واضحة. فغالبا ما يتسبب الدعم في إيجاد مصالح مكتسبة، كما أن الكثيرين في البلدان المنتجة للنفط ينظرون إلى الطاقة الرخيصة باعتبارها حقا مكتسبا.

وقد تكون المقاومة التي تواجه إصلاحات الدعم راجعة أيضا ـ بصفة جزئية ـ إلى جوانب ضعف أوسع نطاقا في مجال الخدمات العامة. ففي عدد كبير من البلدان، تخضع الأسر متوسطة الدخل لضغوط كبيرة بسبب عدم قدرتها على الاعتماد على ما تقدمه الحكومة من رعاية صحية أو خدمة تعليمية أو مرافق عامة. ولما كان دعم الأسعار يعتبر من المنافع الملموسة القليلة في مقابل المدفوعات الضريبية، فإن إلغاءه يلقى معارضة شعبية شديدة.

لكن الهدف ينبغي أن يتمثل في تصميم شبكات للأمان الاجتماعي تتسم بفعالية التكاليف على المدى الأطول، وإحلالها محل دعم الأسعار.

ويمكن تحسين استهداف المستحقين للتحويلات النقدية وغيرها من أشكال دعم الدخل. وعادة ما يمكن لنظم التحويلات النقدية المصممة بدقة أن تضمن توصيل نسبة تتراوح بين 50 و 75% من الإنفاق إلى أفقر 40% من السكان.

ويمكن التوسع في بعض الإجراءات الأكثر دقة في استهداف المستحقين أو العمل على تطبيقها بسرعة نسبيا. ولنأخذ، على سبيل المثال، برامج التغذية المدرسية، أو إعفاء الفقراء من رسوم الخدمات العامة (مثل الصحة أو التعليم أو المواصلات العامة)، أو الأشغال العامة كثيفة العمالة.

بعض قصص النجاح

ولا يوجد في كل ذلك شيء سهل. لكن بعض البلدان نجحت في تطبيق إصلاحات الدعم.

  • خارج المنطقة، نجحت إندونيسيا في زيادة أسعار الوقود بأكثر من الضِعْف في عام 2005 ورفع أسعار منتجات الوقود بنسبة 25 إلى 33% في عام 2008. وتم استخدام وفورات الموازنة في تمويل برنامج للتعويضات النقدية شمل 15,5 مليون أسرة فقيرة.
  • بدأت الأردن مسيرة الإصلاح في عام 2005، حيث تمكنت من إلغاء دعم الوقود تدريجيا، وبحلول فبراير 2008 كانت أسعار الوقود المحلية تتحرك وفق الأسعار الدولية عن طريق نظام للتسعير الشهري التلقائي. وبالرغم من أن التعديل التلقائي لأسعار الوقود قد عُلِّق العمل به مؤقتا في يناير من هذا العام بسبب الضغوط الاجتماعية، فقد كان أحد العوامل الأساسية في الإصلاحات هو اتخاذ إجراءات لتيسير عملية التعديل. وتضمن ذلك أمورا من بينها التحويلات النقدية إلى الأسر ذات الدخل المنخفض وزيادة الاعتمادات المخصصة لصندوق المعونة الوطني (الجهة التي تقدم المساعدات الاجتماعية).

وتوضح التجربتان أهمية إقامة شبكات فعالة للأمان الاجتماعي في سياق إصلاحات دعم الأسعار بغية الحد من احتمالات انتكاس الإصلاح في حالة الصدمات المفاجئة.

ضرورة التأييد الجماهيري

ويُلاحَظ أن توجيه الدعم إلى المستحقين على نحو أكثر دقة أو إلغاؤه وإقامة شبكات أكثر فعالية للأمان الاجتماعي هو عملية معقدة من الناحيتين الفنية والسياسية. لكن التأييد الجماهيري عاملا جوهريا للنجاح.

وهناك عدة طرق للقيام بذلك. ومن المهم على وجه الخصوص*:

  • وضع استراتيجية شاملة للتواصل وبناء التأييد السياسي.
  • إعلام الجماهير بتكلفة الدعم الحقيقية والأطراف المستفيدة منه.
  • تعويض الأشد تضررا، عن طريق تطبيق إجراءات لحماية الفقراء أو تعزيز القائم منها، بما في ذلك من يعيشون في مستوى أعلى بقليل من خط الفقر.
  • تعزيز الحوكمة والمساءلة في القطاع العام. وينبغي تخصيص الوفورات الصافية المتحققة من إصلاحات الدعم للمشروعات عالية الأولوية على أساس من الشفافية.
  • تحسين استهداف المستحقين بالتدريج. ويمكن تحقيق مكاسب سريعة في هذا الصدد بتضييق نطاق الدعم القائم ـ وليكن على المنتجات الأهم بالنسبة للفقراء، مثلا. وفي نهاية المطاف، ينبغي أن يكون الهدف هو إلغاء دعم الأسعار وتطبيق التحويلات النقدية المربوطة بمؤشر الأسعار بدلا منه.
  • يمكن أن تساعد آليات التسعير التلقائية على إبعاد تحديد الأسعار عن الاعتبارات السياسية.
  • التحرك إقليميا، إن أمكن. فمن الممكن تخفيف المعارضة المتوقعة من خلال جهد أوسع نطاقا ـ بل يمكن أن يكون جهدا منسقا ـ على المستوى الإقليمي لإلغاء الدعم بالتدريج وإيجاد حماية اجتماعية أفضل.

والنقطة الأساسية هي أن زيادة الدقة في توجيه الدعم للمستحقين تتعلق بالعدالة بقدر ما تتعلق بقيمة النقود في الإنفاق العام.

* بالانجليزية