بقلم فيتور غاسبار، و لوك إيرو

(بلغات أخرى English)

مرت الماليات العامة بعام عصيب، ونشهد الآن ظهور واقع جديد يتطلب من البلدان أن تقوم البلدان بتحرك فوري يعطي دفعة للنمو ويبني صلابة الاقتصاد. ويجب عليها أيضا أن تكون مستعدة للعمل التعاوني حتى تتمكن من درء المخاطر العالمية.

تفاقم أوضاع الماليات العامة

يوضح عدد إبريل 2016 من تقرير الراصد المالي أن الدين العام يواصل الارتفاع في كل أنحاء العالم. وقد ارتفع عجز المالية العامة في كثير من البلدان. وفي الاقتصادات المتقدمة، سيكون عليها الانتظار من جديد لمدة عام آخر حتى تنخفض نسب الدين. ويتجاوز متوسط الدين العام حاليا المستوى المشاهد أثناء "الكساد الكبير" ويقترب من المستوى الذي أعقب الحرب العالمية الثانية (الرسم البياني 1).

FM Chart 1

وفي الأسواق الصاعدة والبلدان منخفضة الدخل، من المتوقع أن يكون عجز المالية العامة في 2016 أعلى مما كان عليه في 2009 أثناء الأزمة المالية العالمية. ويمثل هذا تحولا كبيرا مقارنة بتوقعاتنا منذ حوالي العام؛ فقد حدثت قفزة كبيرة في نسب الدين العام المستقبلية (الرسم البياني 2). وأصيبت مراكز المالية العامة في البلدان المصدرة للسلع الأولية بضرر جسيم بسبب انهيار الإيرادات. وفي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يُتوقع حدوث انخفاض كبير قدره 2 تريليون دولار أمريكي في أرصدة المالية العامة التراكمية لدى البلدان المصدرة للنفط وحدها في السنوات الخمس القادمة، مقارنة بفترة ما قبل الأزمة في 2004-2008 (الرسم البياني 3).

FM Chart 2 and 3

وهناك اتجاهات جوهرية وبعيدة الأثر في الاقتصاد العالمي تترك بصماتها على الماليات العامة في كل مكان. وتشمل هذه التحولات استمرار ضعف النشاط العالمي وتجذر ضغوط التضخم المنخفض في الاقتصادات المتقدمة، وهبوط أسعار السلع الأولية (حوالي 35% في الاثني عشر شهرا الأخيرة و 65% منذ منتصف 2014 بالنسبة للنفط)، وتباطؤ النشاط التجاري. كذلك تواجه الأسواق الصاعدة والبلدان النامية ارتفاعا في أسعار الفائدة وتقلصا في التدفقات الرأسمالية الداخلة. وهناك تصاعد في المخاطر تشهده كل بلدان العالم على وجه التقريب. ويبدو أن هذه التغيرات باقية، على الأقل لبعض الوقت.

وينبغي أن تتكيف البلدان مع هذه المعطيات التي يفرضها الواقع الجديد ولكن "لا يوجد حل يناسب الجميع". فالتحرك الملائم على صعيد السياسات يختلف باختلاف البلدان، ولكن مزيج التدابير الدقيق يعتمد على طبيعة التحدي الذي يواجه المالية العامة. ونحدد في التقرير ثلاثة تحديات رئيسية.

التحديات الثلاثة

التحدي الأول: تجنب فخ النمو المنخفض والتضخم المنخفض

تواجه الاقتصادات المتقدمة تهديدا ثلاثيا يتمثل في النمو المنخفض والتضخم المنخفض والدين العام المرتفع. ويمكن أن يؤدي هذا المزيج من العوامل إلى دوامات تنازلية يدعم بعضها الآخر. وأعني بذلك أن استمرار تخفيض توقعات النمو والتضخم يرتبط برفع توقعات الدين العام والخاص كنسبة من إجمالي الناتج المحلي، مما قد يؤدي بالحكومات والشركات والأسر إلى تقليص الإنفاق لخفض الدين، ومن ثم يزداد هبوط النشاط الاقتصادي والتضخم.

ولتجنب السقوط في مثل هذا الفخ، ينبغي أن تتبع البلدان منهجا من ثلاثة محاور يقوم على السياسة النقدية التوسعية، وسياسة المالية العامة الداعمة للنمو، والإصلاحات الهيكلية المعززة للإنتاجية. ونعني بسياسة المالية العامة الداعمة للنمو تلك التدابير التي تعطي دفعة للنمو على المديين القصير والمتوسط (مثل زيادة الاستثمارات في مجال البنية التحتية) وإجراءات السياسة التي تدعم تنفيذ الإصلاحات الهيكلية. ومن أمثلة ذلك استخدام الأموال العامة في تعويض الخاسرين من الإصلاحات (كالإصلاحات المشجعة لمزيد من المنافسة) الذي يمكن أن يقفوا في سبيل اعتمادها.

وفي البلدان التي تمتلك حيزا ماليا، يمكن أن تكون للميزانية مساهمة أكبر في دعم الطلب الكلي. وكثير من البلدان يفتقر إلى هذا الحيز المالي، وبالطبع فإن مقدار ما تستطيع البلدان القيام به لدعم الطلب يعتمد على ظروف كل بلد – وخاصة على مستوى مديونيته وما يتحمله من تكاليف الاقتراض حاليا وفي المستقبل. وفي بعض الحالات، لن تتمكن البلدان من إبطاء وتيرة التصحيح المالي. ولكن حتى في تلك الظروف ينبغي للحكومات حماية النمو بتجنب تخفيض الإنفاق العام عالي الإنتاجية وخفض البرامج الأقل كفاءة بدلا منه.

وماذا إذا ساء الموقف الاقتصادي الكلي؟ ما الذي ينبغي أن تفعله البلدان إذا حدث تباطؤ كبير في النمو العالمي وتكثفت الضغوط الانكماشية التي يمكن أن تعجل بدخول الاقتصاد العالمي في الدوامات التنازلية التي وصفناها في السطور السابقة؟ حينئذ لن تكون استجابة البلدان المنفردة كافية. فعلى صناع السياسات التحرك السريع والعمل التعاوني لمكافحة قوى الركود وتعميم سياسات منسقة في اقتصادات العالم الكبرى. وينبغي أن يجمع التحرك الدولي بين السياسات الداعمة للنمو على جانبي العرض والطلب. ومن المهم بوجه خاص أن تتحرك البلدان في آن واحد، نظرا لما يحققه ذلك من تضخيم للآثار الإيجابية المترتبة على سياسات كل بلد. وبالطبع، لن يتمكن بعض الاقتصادات من المشاركة في التحرك المنسق على صعيد السياسات، وخاصة البلدان الواقعة تحت ضغوط سوقية. ولكنها ستستفيد بصورة غير مباشرة من ارتفاع النمو في بلدان أخرى عن طريق تحسن النشاط التجاري وزيادة الاستقرار العالمي.

التحدي الثاني: معالجة الهبوط الكبير والدائم في الإيرادات

بين عامي 2014 و 2016، مر نحو ثلثي بلدان العالم بهبوط في نسبة الإيرادات إلى إجمالي الناتج المحلي (الرسم البياني 4). وشهدت البلدان المصدرة للسلع الأولية أكبر نقص في الإيرادات – بمتوسط 7% من إجمالي الناتج المحلي في حالة البلدان المصدرة للنفط. ولما كان يرجح أن تظل أسعار السلع الأولية منخفضة لبعض الوقت، فليس هناك خيار أمام البلدان المنتجة إلا تخفيض الإنفاق العام اتساقا مع انخفاض الإيرادات. ومع ذلك، فإن هذا التكيف الذي لا مفر منه يمكن أن يكون أقل إيلاما إذا تمت تعبئة الموارد غير السلعية وتخفيض الإنفاق المهدر للموارد غير الموجه بدقة، بما في ذلك إصلاح دعم الوقود. وسيكون بمقدور البلدان التي راكمت أصولا مالية في السابق وتخضع لضغوط أقل من الأسواق المالية أن تضبط أوضاعها بوتيرة أكثر تدرجا.

FM Chart 4

التحدي الثالث: تحقيق أهداف التنمية في ظل موارد الميزانية المحدودة

تبلغ نسبة الضرائب أقل من 15% من إجمالي الناتج المحلي في عدد يكاد يصل إلى نصف البلدان النامية منخفضة الدخل. ويمثل انخفاض تعبئة الإيرادات عقبة أساسية أمام التنمية الاقتصادية ليس فقط لأنه يحد من القدرة على تمويل الإنفاق الداعم للنمو إنما أيضا لأن نسبة الضرائب المنخفضة غالبا ما تقترن بنقص في القدرات المؤسسية، وهي أمر ضروري لانطلاق النمو. ومن ثم، فإن تعبئة الإيرادات الكافية تمثل عنصرا أساسيا في أي استراتيجية للنمو والتنمية.

ويمكن أن يؤدي بناء حد أدنى من الطاقة الضريبية إلى دعم وتكميل طاقة الدولة والطاقة القانونية. وعلى وجه الخصوص، من الضروري أن يتوافر نظام ضريبي مستقر يتسم باتساع القاعدة وتحكمه قواعد واضحة حتى تتم عملية الميزانية بكفاءة. ويمكن أن يساعد تحسين تعبئة الإيرادات، مقترنا بتحسينات في كفاءة الإنفاق، على تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وهو ما يتضمن تحسين توفير الخدمات الصحية والتعليمية وتطوير البنية التحتية. وفي الواقع العملي، ينبغي للبلدان منخفضة الدخل أن تستكشف السبل الممكنة لتعبئة أشكال جديدة من الإيرادات (كأن يتم استحداث ضريبة القيمة المضافة أو ضريبة الممتلكات أو التوسع في تطبيقها) وتعزيز الامتثال الضريبي – وهما مجالان يقدم الصندوق فيهما مساعدات فنية مكثفة.

الأهداف متوسطة الأجل

إلى جانب استجابات السياسة العاجلة ذات الخصوصية القُطْرية التي أوضحناها آنفا، هناك هدفان أساسيان ينبغي السعي لتحقيقهما في كل البلدان على المدى المتوسط:

  • تعزيز صلابة الماليات العامة: ففي بيئة محفوفة بالمخاطر، يصبح من أهم أهداف سياسة المالية العامة جعل الماليات العامة أقل حساسية للصدمات، مثل هبوط أسعار السلع الأولية أو انخفاض سعر العملة. ولكن كيف للحكومات أن تخفض مواطن الضعف؟ يمكنها ذلك بالعمل على ثلاث جبهات أساسية. أولا، يمكن للبلدان أن تحسن كيفية إفصاحها عن المخاطر وكيفية تحليلها. فمن خلال إعداد تقارير شاملة وموثوقة وحديثة للاطلاع العام بشأن الموارد العامة، يمكن تقليل احتمالات المفاجآت السلبية وتقليص حجمها. ومثل هذه الأحداث ليست نادرة الحدوث. فعلى سبيل المثال، كثيرا ما تقدم الحكومات ضمانات للقطاع الخاص يتبين في التطبيق العملي أنها باهظة التكلفة. ومن المهم للغاية الإفصاح عن مثل تلك الضمانات، حتى لا تظهر على غير توقع. ثانيا، ينبغي للبلدان أن تتخذ تدابير ملموسة لتخفيف المخاطر التي حددتها. وهناك قلة قليلة من البلدان فقط وضعت استراتيجيات لإدارة المخاطر تؤدي بالفعل إلى تخفيض احتمالات تحقق المخاطر وتحد من تعرض الحكومة لها. وبالعودة إلى مثالنا السابق، يمكن للبلدان أن تضع حدودا قصوى لحجم الضمانات التي تقدمها الحكومة. ثالثا، ينبغي للحكومات أن تنشئ هوامش وقائية كافية لامتصاص المخاطر المتبقية التي لا يمكن تخفيفها. فعلى سبيل المثال، ينبغي أن تتضمن الميزانيات "مخصصات" كافية تمثل هوامش أمان لمواجهة الأحداث غير المتوقعة.
  • تشجيع النمو القابل للاستمرار: رفع النمو متوسط الأجل ضرورة في كل البلدان. ففي الاقتصادات المتقدمة، لا يمكن إيجاد حل دائم لمشكلة الدين المرتفع ما لم يرتفع النمو. والواقع أن تحقيق زيادة مستمرة في النمو بمقدار نقطة مئوية واحدة يمكن أن يخفض نسب الدين في الاقتصادات المتقدمة إلى مستويات ما قبل الأزمة في غضون عقد واحد. والنمو القوي مطلوب في البلدان الصاعدة والنامية أيضا حتى يتسنى رفع مستويات المعيشة وتمويل استراتيجيات التنمية. فكيف نصل إلى زيادة النمو؟ تشير دراسة أعدها الصندوق إلى أن إجراء إصلاحات في سياسات الضرائب والإنفاق يمكن أن يرفع النمو في المدى المتوسط إلى الطويل بنسبة 0.75 نقطة مئوية في الاقتصادات المتقدمة، وأكثر من ذلك في الاقتصادات النامية. ويوضح التحليل الوارد في الفصل الثاني من تقرير الراصد المالي أن بعض تدابير المالية العامة تمثل أدوات بالغة القوة في دعم الابتكار والإنتاجية. وعلى وجه التحديد، نجد أن دعم المالية العامة لأنشطة البحوث والتطوير الخاصة (في شكل خصومات ضريبية أو دعم مالي للبحوث والتطوير) بتكلفة على الميزانية قدرها 0.4% من إجمالي الناتج المحلي – أي أقل من 0.5% من إجمالي الناتج المحلي – يمكن أن يرفع إجمالي الناتج المحلي بنسبة 5% في الاقتصادات المتقدمة على المدى الطويل.

وخلاصة القول إن البلدان تواجه تحديات كبيرة في استعادة النمو القوي والمالية العامة السليمة القادرة على الصمود في مواجهة الصدمات. ولكن الخبر السار هو أن صناع السياسات، منفردين ومجتمعين، لا يزال لديهم أدوات ملائمة من خلال السياسات لمعالجة هذه التحديات والتكيف مع معطيات الواقع الجديد.