بقلم: هوزيه فينيالزJose Vinals

(بلغات أخرى English)

زادت المخاطر التي تهدد الاستقرار المالي العالمي على مدار الستة أشهر الأخيرة نتيجة للتطورات التالية:

أولا، ارتفعت المخاطر الاقتصادية الكلية، انعكاساً لتراجع آفاق النمو والتضخم وارتفاع عدم اليقين بشأنها، بالإضافة إلى هبوط المزاج السائد. وقد تم تسليط الضوء على هذه المخاطر في المؤتمر الصحفي الذي عقد بالأمس حول آفاق الاقتصاد العالمي.

  • ثانيا، أدى هبوط أسعار السلع الأولية والمخاوف المتعلقة بالاقتصاد الصيني إلى فرض ضغوط على الأسواق الصاعدة وأسواق الائتمان في الاقتصادات المتقدمة.
  • وأخيرا، تراجعت الثقة في فعالية السياسات، وسط مخاوف بشأن قدرة السياسات النقدية المثقلة بالأعباء على تعويض ارتفاع المخاطر الاقتصادية والسياسية.

وفي أوائل هذا العام، جاء رد فعل الأسواق سلبيا إزاء هذه التطورات. فقد شهدت الأسهم العالمية هبوطا كبيرا، وحدث ارتفاع حاد في درجة التقلب، وزاد الحديث عن الركود في الاقتصادات المتقدمة، وتجددت الضغوط على أسعار حقوق ملكية البنوك.

ويبدو موقف الأسواق أفضل بكثير حاليا، مقارنة بالمستويات المنخفضة التي كانت سائدة في منتصف فبراير. فقد حققت أسواق الأسهم تعافيا كبيرا من خسائرها السابقة وارتفعت أسعار النفط، في الوقت الذي انحسرت فيه موجة التقلب. وجاء هذا التحسن عقب بعض الأنباء السارة على الصعيد الاقتصادي، وكذلك تكثيف إجراءات السياسة التي قررها البنك المركزي الأوروبي، واتخاذ موقف أكثر حذرا تجاه رفع أسعار الفائدة الذي قرره الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة. كذلك عززت الصين جهودها لتقوية إطار سياساتها بغية دعم النمو والوصول بسعر الصرف إلى الاستقرار.

ومن المسائل المهمة التي يتناولها هذا العدد من تقرير الاستقرار المالي العالمي ما إذا كنا الآن في مأمن من الاضطراب الذي شهدناه على مدار الشهور الماضية، أم أن هناك إشارة تحذيرية توضح أهمية القيام بالمزيد؟ أعتقد أن الإجابة الصحيحة هي الأخيرة: ينبغي القيام بالمزيد لتأمين الاستقرار العالمي.

إن كثيرا من الأمور على المحك. فينبغي اتخاذ تدابير إضافية للتوصل إلى مزيج من السياسات الأكثر توازنا ونجاعة. وما لم يتم ذلك، فقد تتكرر وتحتدم اضطرابات الأسواق، كما يمكن أن تنشأ حلقة مدمرة من الآثار المرتدة تتعاقب فيها هشاشة الثقة وضعف النمو وضيق الأوضاع المالية وتصاعد أعباء الديون. وقد يؤدي ذلك إلى اقتراب الاقتصاد العالمي من الركود المالي والاقتصادي. وفي مثل هذا السيناريو، تشير تقديراتنا إلى إمكانية هبوط الناتج العالمي على مدار الخمس سنوات القادمة بنسبة تقارب 4% مقارنة بسيناريو توقعاتنا الأساسي [الشكل البياني 1]، وهو ما يعادل النمو العالمي في العام الماضي على وجه التقريب.

GFSR 1

ما الذي ينبغي القيام به إذن؟ ينبغي أن نتجاوز الوضع الراهن. وعلينا أن نعتمد منهجا جماعيا في صنع السياسات لمعالجة مجموعة ثلاثية من التحديات العالمية، وهي نفس التحديات التي أكدتها منذ ستة أشهر، أي تركة القضايا التي خلفتها الأزمة ولا تزال دون علاج في الاقتصادات المتقدمة، وزيادة مواطن الضعف في الأسواق الصاعدة، والمخاطر على السيولة النظامية في الأسواق. وتعتبر اضطرابات السوق التي شهدناها في أوائل هذا العام تذكرة قوية بتلك المهام التي لم ننجزها بعد.

ودعوني أناقش الآن التحديات التي تواجه الاقتصادات المتقدمة والأسواق الصاعدة، وما ينبغي القيام به لمعالجتها. فمعالجة هذه التحديات ستتيح زيادة الناتج العالمي عما ورد في السيناريو الأساسي بنسبة تصل إلى 1.7% على مدار الخمس سنوات القادمة [الشكل البياني 1]. ويعادل هذا نصف عام إضافي من النمو العالمي.

ويتمثل التحدي الأول في معالجة تركات الأزمة في الاقتصادات المتقدمة، ولا سيما البنوك نظرا لدورها الأساسي في تمويل الاقتصاد. وقد أصبحت بنوك الاقتصادات المتقدمة أكثر أمانا بكثير، ولكنها خضعت لضغوط سوقية كبيرة في بداية العام مع تراجع آفاق الاقتصاد وزيادة عدم اليقين بشأنها.

ولكن البنوك تواجه تحديات هيكلية مهمة في التكيف مع المعطيات الجديدة اللاحقة على الأزمة والتي لا تزال تؤثر على الربحية. فكثير من بنوك الاقتصادات المتقدمة تواجه تحديات كبيرة تتعلق بنموذج عملها، وتشير تقديراتنا إلى أن أصول هذه البنوك تمثل حوالي 15% من الأصول المصرفية في الاقتصادات المتقدمة [الشكل البياني 2]. وفي منطقة اليورو، تؤكد ضغوط السوق أيضا وجود تركة من القضايا القائمة منذ وقت طويل. وينبغي إيجاد حل عاجل للمستوى المرتفع من القروض المتعثرة باستخدام استراتيجية شاملة، كما ينبغي إيجاد حل تدريجي لمشكلة الطاقة المصرفية الزائدة – أي فرط أعداد البنوك. كذلك يجب أن تستكمل أوروبا إقامة اتحادها المصرفي وإنشاء نظام مشترك لضمان الودائع.

GFSR 2

أما التحدي الرئيسي الثاني فيأتي من الأسواق الصاعدة حيث أدى الهبوط الحاد في أسعار السلع الأولية إلى تفاقم أوجه الضعف سواء في الشركات أو على المستوى السيادي، مما أبقى المخاطر الاقتصادية والمالية مرتفعة. وبعد سنوات من تراكم المديونية، تواجه الاقتصادات الصاعدة مزيجا صعبا من التحديات التي تشمل تباطؤ النمو وضيق الأوضاع الائتمانية وتقلب التدفقات الرأسمالية. ولا يزال كثير من الاقتصادات يُبدي صلابة واضحة تجاه هذه البيئة الصعبة، بفضل الاستخدام الحكيم للاحتياطيات الوقائية التي تراكمت في سنوات الرخاء. ولكن هذه الاحتياطيات تنفد بسرعة، وحيز المناورة بدأ يتلاشى في بعض البلدان.

ومع تدهور صحة قطاع الشركات، وخاصة في البلدان المصدرة للسلع الأولية والقطاعات المرتبطة بالسلع الأولية، قد تزداد حدة ضغوط إعادة التمويل، مما يمكن أن يولد تداعيات تصل إلى الحكومة نظرا لأن كثيرا من الشركات الأضعف مملوكة للدولة. ويمتلك كثير من الأسواق الصاعدة هوامش وقائية كافية بشكل عام، ولكنها قد تتعرض لضغوط مع تزايد القروض المتعثرة [الشكل البياني 3]. وتؤكد هذه الروابط المشتركة أهمية المراقبة الدقيقة لمواطن الضعف في الشركات، وتوخي السرعة والشفافية في تسجيل الأصول المتعثرة وإدارتها، وتعزيز صلابة البنوك.

GFSR 3

وبين الاقتصادات الصاعدة، تبرز الصين باعتبارها الاقتصاد الأهم. وهي تواصل المضي في عملية تحول معقدة إلى وتيرة نمو أبطأ وأكثر توازنا ونظام مالي أكثر اعتمادا على السوق. وقد تقدمت السلطات الصينية في الإصلاح ولكن التحول يظل عملية معقدة بطبيعتها.

وهنا تعتبر الرابطة بين الشركات والبنوك بالغة الأهمية. فرغم التقدم في استعادة التوازن الاقتصادي، يستمر تدهور صحة قطاع الشركات في الصين بسبب تباطؤ النمو وانخفاض الربحية. وينعكس هذا في تزايد نسبة الديون لدى الشركات التي لا تكسب ما يكفي لتغطية مدفوعات الفوائد المستحقة عنها. وهذا المقياس الذي نسميه "الدين المعرض للخطر" ارتفع إلى 14% من دين الشركات الصينية المسجلة في البورصة، أي أنه زاد بمقدار ثلاثة أضعاف منذ 2010.

وتشكل زيادة التوترات في الشركات الصينية أمرا مهما بالنسبة للبنوك الصينية. وتشير تقديرات هذا التقرير إلى أن قروض الشركات من البنوك والتي يحتمل أن تكون في خطر في الصين تكاد تصل إلى 1.3 تريليون دولار. ويمكن ترجمة هذه القروض إلى خسائر مصرفية محتملة قدرها 7% من إجمالي الناتج المحلي تقريبا [الشكل البياني 4]، وهو رقم قد يبدو كبيرا ولكن التعامل معه ممكنا نظرا للهوامش الوقائية الكبيرة المتوافرة في البنوك والتي تتيحها السياسات في الصين واستمرار نموها الاقتصادي القوي. والأمر المهم بالمثل أن السلطات الصينية على دراية بجوانب الضعف المذكورة وتقوم بإرساء تدابير للتعامل مع الشركات ذات المديونية المفرطة. لكن حجم مواطن الضعف تلك يدعو إلى وضع جدول أعمال طموح للسياسات: (1 يعالج أعباء الديون المفرطة في قطاع الشركات، (2 يعمل على تقوية البنوك، (3 ينهض بالإطار الرقابي حتى يدعم نظاما ماليا يزداد تشابكا.

GFSR 4

ونحتاج إلى العمل بصورة جماعية لتقوية النمو والاستقرار المالي أكثر مما يرد في السيناريو الأساسي الراهن، وهو أمر يمكن تحقيقه. فعلى صناع السياسات أن ينشئوا مزيجا من السياسات الأكثر توازنا ونجاعة يتجاوز الاعتماد المفرط الدائم على السياسة النقدية. فالسياسة النقدية يظل دورها محوريا، ولكنه لا يمكن أن يكون الحل الأوحد. فمن الضروري إجراء إصلاحات هيكلية جيدة التصميم وانتهاج سياسات داعمة للمالية العامة. ويتعين أيضا وضع سياسات مالية أقوى تحقق مزيدا من الصلابة. وعلى المستوى العالمي، يجب استكمال جدول أعمال الإصلاحات التنظيمية المالية وتنفيذها – بما في ذلك الإصلاحات المتعلقة بالمؤسسات غير المصرفية. وستساعد كل هذه الإجراءات على تحقيق التوازن في مزيج السياسات، وستؤدي مجتمعة إلى زيادة نجاعة السياسات وفعاليتها.