david lipton photo بقلم: ديفيد ليبتون

(بلغات أخرى English)

من أول الأمور التي يتعلمها طلبة الاقتصاد مفارقة الماء والماس. فكيف يكون الماء مجانيا وهو الذي لا تكون الحياة بدونه، بينما الماس باهظ التكلفة رغم أن الافتقار إليه لا يميت أحدا؟

والإجابة هي أن الماء يمكن أن يكون مجانيا إذا كان وفيرا مقارنة بالطلب. ومع ذلك، فمن الواضح تماما أن الطلب على الماء يتجاوز المعروض في جميع أنحاء العالم. وهذا الاختلال هو أوضح دلالة على أن تسعير المياه أقل من قيمتها الحقيقية. ولكن كثيرا من الحكومات تتردد في تسعيرها مثلما تسعر السلع الأخرى.

وفي دراسة صدرت مؤخرا، نظرنا فيما إذا كان هذا الخيار هو الصحيح. فهل تنجح الحكومات في حماية مواطنيها بتوفير مياه رخيصة؟ أود اليوم إلقاء نظرة أعمق على هذا السؤال ونحن نشهد اليوم العالمي للمياه.

دور الحوافز السعرية

الواقع أنك إن لم تحدد سعرا صحيحا للمياه، سينتهي بك الأمر إلى سوء توزيعها اليوم وسوء توزيعها غدا. وسوء توزيعها اليوم يمكن أن يتحول إلى عطش، أو إنتاجية زراعية منخفضة، بل يصل إلى سوء المرافق الصحية والأمراض وسوء التغذية. أما سوء التوزيع غدا فيمكن أن يتحول إلى استثمار غير ملائم في البنية التحتية والتكنولوجيا لتلبية احتياجات المياه في المستقبل وضمان الأمن المائي.

تلك أمور بالغة التأثير حتى أنها تتسبب في قصور الأداء الاقتصادي الكلي ونمو الاقتصاد. ويمكن النظر إلى ضرورة تحديد السعر الصحيح في ضوء تجارب البلدان حول العالم. لننظر مثلا إلى حالة الهند حيث يساهم التسعير المنقوص للمياه والمدخلات في الندرة الحالية والمشكلات طويلة الأجل التي سيكون حلها صعبا. وقد أدى الدعم المتعلق بالمياه – من خلال انخفاض أسعار الديزل والكهرباء المجانية لمضخات الري – إلى انتشار الاستهلاك المفرط للمياه الجوفية وزيادة ملوحة التربة، مما يكاد يمحو مكاسب الإنتاجية التي حققتها الثورة الخضراء في ستينات القرن الماضي.

أو لننظر إلى كاليفورنيا حيث طبق المحافظ جيري براون في منتصف 2014 امرا تنفيذيا يخفض استخدام المياه بنسبة 25% على مدار الاثني عشر شهرا التالية، مقارنة بمستويات 2013. وكانت هناك أسباب كثيرة لنقص المياه الحاد الذي شهدته كاليفورنيا، بما في ذلك موجات الجفاف الشديد ودرجات الحرارة المرتفعة غير المسبوقة، ولكن سوء التسعير لعقود طويلة ساهم بدوره في هذا النقص. وتوضح هذه التجربة أن للحوافز السعرية دورا كبيرا في ترشيد استخدام المياه.

وهناك العديد من الأمثلة من مختلف أنحاء العالم توضح أن التسعير الخاطئ للمياه يؤدي إلى ما يعرف باسم "مأساة الموارد المشتركة"، حيث يكون تصرف المستخدمين المنفردين لأحد الموارد تصرفا رشيدا من منظور منفرد وطبقا لمصلحتهم الشخصية ولكنه يتعارض مع الصالح المشترك لكل المستخدمين من خلال ما يسببه من استنفاد للموارد. ومما يدل على ذلك سرعة استنفاد المياه الجوفية وتدهور جودة المياه.

ما خفي كان أعظم

في كثير من البلدان، تتقاضى مرافق المياه العامة من الأسر نذرا يسيرا من تكاليف إمدادها بالمياه، ناهيك عن صيانة البنية التحتية أو التوسع فيها.

وتشير حسابات الاقتصاديين بالصندوق إلى أن هذا التسعير المنقوص أدى في عام 2012 إلى دعم المياه بقيمة كلية قدرها 456 مليار دولار تقريبا على مستوى العالم، أو حوالي 0.6% من إجمالي الناتج المحلي العالمي، علما بأن هذا الدعم يصل في بعض البلدان إلى 5% من إجمالي الناتج المحلي. ولا يتجاوز هذا قمة جبل الجليد، حيث تُستبعد من هذه التقديرات الاستخدامات الزراعية، والتي تشكل معظم استهلاك المياه في البلدان النامية.

بل إن دعم المياه يتجاوز الإنفاق الكلي على الاستثمار العام في بعض البلدان  (انظر الرسم البياني 1) – مما يشير إلى مزاحمة هذا الدعم لنفقات مهمة أخرى.

 

waterchartarabic1

ولو أن توفير المياه مجانا كان في صالح الفقراء لكان من الممكن الدفاع عن هذا الدعم. ولكن دراستنا تخلص إلى أن توزيع دعم المياه غير متكافئ ولا يحقق هدفه المعلن.

ولما كان الدعم الذي يحصل عليه المرء يتناسب مع استخدامه للمياه، ولما كان الفقراء غالبا ما يتاح لهم كم محدود أو معدوم، فإن الدعم في البلدان النامية يذهب في النهاية إلى الشرائح متوسطة الدخل. وفي بعض الاقتصادات منخفضة الدخل، تحصل أغنى الأسر على دعم للمياه يعادل، في المتوسط، ثلاثة دولارات في مقابل دولار واحد لأفقر الأسر (انظر الرسم البياني 2).

سعر صائب واستخدام حكيم

فما هو الحل إذن؟ حتى تزداد كفاءة استهلاك المياه، يجب اتباع منهج كلي يكمله إصلاح السياسات التي تدفع استخدام المياه – بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ويمكن أن تضع الحكومات قواعد تنظيمية تدعم حق الحصول على المياه وتشجع كفاءة استخدامه وتبني مؤسسات قوية ومستقلة تتولى إدارة المياه وتقوم بحملات توعية عامة تساعد على بناء الدعم لهذه الإصلاحات.

وينبغي أن يكون إصلاح تسعير المياه عنصرا أساسيا في أي جهود لتحسين إدارتها، إذ أنه يساعد على ترشيد الطلب على المياه وتحسين توصيلها وزيادة عرضها. وينبغي للحكومات أن تسعر المياه بصورة تحقق استرداد التكلفة بالكامل، بما في ذلك تكاليف الصيانة والاستثمار. وينبغي أيضا أن يكون التسعير مصمما بما يحقق التوسع في إتاحة المياه للشرائح الفقيرة والضعيفة.

waterchartarabic2

ولنأخذ حالة بوركينا فاسو، على سبيل المثال. فقد استحدثت شبكة تعريفات تصاعدية لمياه الشرب تعتمد على حجم الاستخدام، مع جعل مستخدمي الشرائح الأعلى يدعمون الشريحة الدنيا بالإضافة إلى أنشطة المرافق الصحية. ويباهي مرفق المياه العامة بمعدلات استرداد قدرها 87%، ونسب مديونية منخفضة، وأرباح سنوية. وبفضل إصلاح تسعير المياه، تضاعفت إتاحة مياه الشرب على مدار العقدين الماضيين – وهو إنجاز بارز في بلد مياهه شحيحة وهطول الأمطار فيه شديد التقلب.

لماذا يهتم صندوق النقد الدولي بهذه المسألة؟ لا شك أن تحديات المياه يمكن أن تسفر عن عواقب اقتصادية، والفشل في إدارتها بشكل جيد يضعف آفاق الاقتصاد في البلد الذي يتعرض لها. ونأمل أن نتمكن من إلقاء الضوء على هذا الموضوع من خلال دراسة البعد الاقتصادي. وكما رأينا في مشكلة كاليفورنيا، يعتبر تأجيل التحرك ترفا لا طاقة للعالم به.

لمزيد من المعلومات، شاهد المعلومات المصورة عن المياه، والمقال ذي الصلة في مجلة التمويل والتنمية.