بقلم: فيتور غاسبار، مايكل كين، إيان باري

(بلغات أخرى English)

تمثل اتفاقية باريس المعنية بتغير المناخ إنجازا دبلوماسيا تاريخيا. فقد ظن الكثيرون أن حل هذه المشكلة العالمية سيكون بعيد المنال، حيث ينطوي تخفيض الانبعاثات على مزايا عالمية بينما تقع تكاليف تخفيضها على المستوى الوطني، ومن ثم تحول المصلحة الوطنية دون التوصل إلى اتفاق مؤثر. ولكن باريس أثبتت غير ذلك – حيث أوجدت غاية عالمية مشتركة.

وفي صميم هذه الاتفاقية تأتي تعهدات تخفيض الانبعاثات على مستوى البلدان والجداول الزمنية التي قدمها 186 بلدا. وتُرسي الاتفاقية أيضا إجراءات تحديث وتقييم التقدم في الوفاء بهذه الالتزامات الوطنية. وستكون الحكومات تحت ضغط شعبي كبير لتحقيق ما تعهدت به. فكيف يمكن للحكومات أن تضمن التنفيذ؟ نقول في دراستنا الجديدة إن سلامة تسعير الطاقة هو العامل الأساسي.

التسعير الصحيح

طبقا لتقديرات صندوق النقد الدولي، تعبر أسعار الطاقة تعبيرا منقوصا بواقع 5.3 تريليون دولار أمريكي (أو 6.5% من إجمالي الناتج المحلي العالمي) عن التكاليف الحقيقية المترتبة على استخدام طاقة الوقود الأحفوري – أي تكلفة التوريد والضرر الذي يلحقه استهلاك الطاقة بالسكان والبيئة – في عام 2015. ومن هذا التقدير لدعم الطاقة العالمي يمكن أن نستشف حجم التكاليف غير المدرجة في السعر التي يفرضها استهلاك الطاقة على الاقتصاد والبيئة. ولا يرجع إلى الاحترار العالمي إلا 25% تقريبا من تكلفة الدعم العالمي. وتغطي نسبة الدعم المتبقية البالغة 75% الآثار الصحية الناجمة عن تلوث الهواء الخارجي، بالإضافة إلى التسعير المنقوص للآثار الجانبية المحلية للمركبات (كالاختناقات المروية)، وتكاليف توريد الطاقة، وضرائب الاستهلاك العامة. وعلى وجه العموم، تتحقق مزايا الحد من هذه الآثار عن طريق إصلاح أسعار الطاقة في البلد القائم بالإصلاح. والخبر السار هو أن هذا الأمر يعني أيضا وجود مبرر لسلامة تسعير الطاقة على المستوى الوطني من منظور المصلحة الوطنية المجردة.
>

تسعير الكربون هو جزء من سلامة تحديد الأسعار

صلب المشكلة هو أن الشركات والأسر لا يتحملون تكلفة العواقب البيئية لانبعاثاتهم، وأهمها ثاني أكسيد الكربون الناتج عن احتراق الوقود الأحفوري. وعلى ذلك، يكون تحديد التكلفة الملائمة لهذه الانبعاثات مطلبا أساسيا.

إن تسعير الكربون هو السبيل الصحيح. فآلية التسعير تستخدم كل قدرات الابداع الإنسانية في استكشاف كل الأوجه الممكنة لتخفيف الآثار: تخفيض استهلاك الطاقة، والتحول في توليد الطاقة من الأساليب غير النظيفة إلى الأساليب النظيفة، وأخيرا وليس آخرا تشجيع الابتكار والتغيير التكنولوجي.

ونحن نرى أن الضرائب عادة ما تكون السبيل الأفضل لتنفيذ تسعير الكربون. وفي الوضع المثالي، يعني هذا توسيع نطاق الرسوم المفروضة على الوقود (التي أصبحت مستقرة في معظم البلدان وتعتبر من أسهل الضرائب في إدارتها) لتشمل رسوم الكربون، وتطبيق رسوم مماثلة على منتجات البترول والفحم والغاز الطبيعي. ويمكن استخدام العائد في دفع عجلة الاقتصاد من خلال إجراءات مثل تخفيض ضرائب العمل ورأس المال التي تثبط جهد العمل والاستثمار، مما يساعد بدوره في تعويض العبء الذي يفرضه ارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد.

وإذا استخدمت الحكومات بدلا من ذلك نظم تداول الانبعاثات، ينبغي أن تصمم هذه النظم لتصبح كالضرائب، من خلال إجراء مزادات على تصاريح الانبعاثات من أجل تعبئة الإيرادات، بما في ذلك تعيين حدود دنيا وعليا للأسعار. وسعر الانبعاثات المحكم الذي يمكن التنبؤ به يكون بمثابة إشارة لإعادة توجيه التغيير التكنولوجي نحو الاستثمارات ذات الانبعاثات المنخفضة. وبالرغم من أن تعهدات التخفيف التي قطعتها البلدان في باريس تحدد في معظمها أهدافا للانبعاثات، فإن الوفاء بها تدريجيا على أساس المتوسط (مع أسعار يمكن التنبؤ بها) يعتبر أكثر منطقية من الوفاء بها على نحو صارم من عام إلى آخر (مع أسعار لا يمكن التنبؤ بها). ونحن في الصندوق نجري تقييما لمختلف مسارات التسعير التي ستحتاجها البلدان للقيام بذلك.

وقد اعتمد بالفعل حوالي 40 حكومة وطنية وأكثر من 20 حكومة دون الوطنية شكلا من أشكال تسعير الكربون. ويستحق ذلك كل الترحيب، ولكنه لا يتجاوز قشور المشكلة. فهذه النظم تغطي حوالي 12% من الانبعاثات العالمية (وإن كانت هذه النسبة ستصل إلى الضعف حين تقوم الصين بتسعير انبعاثاتها الصناعية في 2017) وعادة ما تكون الأسعار متواضعة (حوالي 10 دولارات أمريكية للطن أو أقل). وعلى البلدان أن تتوسع في تغطية الانبعاثات وتنتقل إلى أسعار أكثر اتساقا مع التزامات التخفيف.

وإذ يتواصل انتشار نظم التسعير على المستوى الوطني، فسيأتي وقت يكون فيه من المنطقي بالنسبة للبلدان أن تعزز هذه الجهود من خلال التنسيق الدولي. وأحد السبل الطبيعية للقيام بذلك هو ترتيبات الحد الأدنى لأسعار الكربون (على غرار الحدود الدنيا الضريبية وضرائب القيمة المضافة في الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال). ويمكن أن توفر هذه الترتيبات بعض الحماية من تأثيرات التنافسية وتسمح لمن يرغب من البلدان بتحديد أسعار أعلى من الحد الأدنى.

 

التكنولوجيات الجديدة

تولي وسائل الإعلام اهتماما كبيرا بالطاقة المتجددة وغيرها من أشكال "التكنولوجيا الخضراء". ويروج المتفائلون بالتكنولوجيا لحدوث ثورة صناعية وضرورة دعم الحكومات لابتكار وتطوير التكنولوجيات الأنظف. غير أن استحداث هذه التكنولوجيات الجديدة وتطبيقها على نطاق واسع يتطلبان مكافأة الشركات على اعتمادها – وهذا هو مربط الفرس. وتحديد السعر الصحيح للكربون هو أكثر الطرق فعالية لتحقيق ذلك. وفي غياب مثل هذه الحوافز، يصبح الاعتماد على التقدم التكنولوجي لحل مشكلة تغير المناخ كالتعويل على المعجزات.

ولمواصلة النجاح الذي حققته اتفاقية باريس، نحتاج إلى وضع أسعار صحيحة للكربون والبدء بالتحرك على الفور.

يمكن مطالعة المزيد عن عمل الصندوق المعني بالبيئة والطاقة بالضغط على هذا الرابط.

لمزيد من المعلومات حول إصلاح دعم الطاقة ومدى ارتباطه بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يرجى مشاهدة الفيديو التالي: