بقلم كريستين لاغارد

التقى في العاصمة واشنطن في نهاية الأسبوع الماضي ممثلو 187 بلدا عضوا، لإجراء مناقشات مركزة حول الأزمة الاقتصادية التي يمر بها العالم.

كانوا هنا في سياق الاجتماعات السنوية المشتركة بين الصندوق والبنك الدولي لعام 2011، ذلك الحدث الذي يختلط فيه وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية برجال الأعمال والمجتمع المدني والقيادات العمالية وأعضاء البرلمانات لمناقشة قضايانا المهمة.

وقد دَخَلْت هذه الاجتماعات بعد أن حذرت من مرحلة جديدة خطرة تواجه الاقتصاد العالمي ودعوت إلى اتخاذ إجراءات جريئة وجماعية حيالها. وخرجت منها وقد ملأني شعور قوي بأن المجتمع العالمي بدأ يستجيب.

لماذا؟ هناك ثلاثة أسباب: شعور مشترك بضرورة التحرك العاجل، وتشخيص موحد للمشكلات، وشعور جماعي بأن التركيز بدأ ينصب على الخطوات اللازمة في الفترة المقبلة.

أولا، الشعور المشترك بضرورة التحرك العاجل

كان الإدراك واضحا لجسامة الموقف. وقد أشار الصندوق في آخر تنبؤاته الصادرة أثناء الاجتماعات إلى أن النمو العالمي يُتوقع أن يتباطأ مسجلا 4% هذا العام والعام القادم. وسوف يقتصر النمو في الاقتصادات المتقدمة على معدل واهن لا يتجاوز 1.5-2%. ومن الواضح أن تعافي الاقتصاد العالمي لا يزال ضعيفا وغير متوازن على نحو يثير القلق.

وإضافة إلى ذلك، نلاحظ تراكما مستمرا في المخاطر، مدفوعا بحلقة الآثار المتبادلة السلبية بين النمو الضعيف والميزانيات العمومية الضعيفة ـ لدى الحكومات والبنوك والأسر ـ والالتزام السياسي الضعيف بأداء ما يلزم في هذه الظروف.

وأدى هذا بدوره إلى أزمة في الثقة لا تقتصر تكاليفها على الصعيد الاقتصادي وإنما تمتد إلى الجوانب الاجتماعية أيضا.

ونلاحظ أن الغيوم الداكنة تتركز الآن في السماء الأوروبية، لكن الولايات المتحدة لا تزال تشهد أجواء كثيفة من عدم اليقين أيضا. ومما يعزز الطابع الملح الذي يميز الموقف الراهن أن له انعكاسات تؤثر على كل بلدان العالم.

ففي عالمنا المترابط، ما يحدث في الاقتصادات المتقدمة يؤثر على الجميع ـ المزارع الكيني، ومصمم الأزياء البرازيلي، وصاحب المشروع الصيني.

ثانيا، التشخيص الموحد

بطبيعية الحال، يجب أن تكون الأولوية القصوى هي كسر الحلقة المفرغة التي يؤثر فيها النمو الضعيف تأثيرا سلبيا على الميزانيات العمومية الضعيفة التي تعود عليه بأثر سلبي مماثل. وقد أقر الحضور في الاجتماعات السنوية بأن للاقتصادات المتقدمة دورا محوريا في التوصل إلى حل فعال ـ وخاصة الولايات المتحدة وأوروبا.

فبالنسبة للولايات المتحدة، يتمثل التحدي الأكبر في اعتماد استراتيجية موثوقة لتخفيض عجز المالية العامة على المديين المتوسط والطويل، وإيجاد حل عاجل لمشكلة البطالة المرتفعة، وتخفيف الضغوط على الأسر المثقلة بالديون.

وبالنسبة لأوروبا، يتمثل التحدي الأكبر في معالجة المشكلة المزدوجة للديون السيادية والمصرفية ـ ومعالجتهما معا. وقد شعر المشاركين في الاجتماعات السنوية بتفاؤل كبير إزاء عزم البلدان الأعضاء في منطقة اليورو على "اتخاذ كل ما يلزم*" لمعالجة المشكلات التي تواجهها.

وبينما يجب أن تتصدى الاقتصادات المتقدمة للمهمة المنوطة بها، فإن لاقتصادات الأسواق الصاعدة والبلدان منخفضة الدخل مساهمة أيضا في هذا المجال.

فالأسواق الصاعدة لها دور أساسي في تحقيق الهدف النهائي المتمثل في استعادة توازن الاقتصاد العالمي ـ بحيث يزداد اعتماد بلدان الفائض الخارجي على الطلب المحلي وتتخذ البلدان التي تتحمل عجزا في حساباتها الجارية إجراءات لدرء مخاطر النشاط الاقتصادي المحموم.

أما البلدان منخفضة الدخل فتحتاج إلى إعادة بناء مصدات السياسة الواقية التي استفادت من استخدامها أثناء الأزمة، وكذلك الاستثمار في النمو وتوفير فرص العمل.

ثالثا، بدأ التركيز ينصب على الإجراءات المطلوبة

دعا صناع السياسات في اجتماعات نهاية الأسبوع إلى "درجة استثنائية من اليقظة والتنسيق والاستعداد لاتخاذ إجراءات جريئة"، وهو ما يغطي المجالات التالية:

  • يجب أن تتجنب سياسة المالية العامة توأم الخطر المتمثل في إضعاف المصداقية وتقليص التعافي الاقتصادي. فالبلدان المتقدمة تحتاج إلى التقشف المالي على سبيل الأولوية، لكن الدفع المفرط في هذا الاتجاه سيضر بالنمو وفرص العمل. ومن ثم يتعين ألا يتم بخطوات مفرطة في التردد أو في التسرع. ويجب أن يكون المنهج المتبع ملائما لظروف كل بلد.
  • أما السياسة النقدية فينبغي أن تظل تيسيرية ـ نظرا لأن توقعات التضخم على درجة جيدة من الثبات بشكل عام في الاقتصادات المتقدمة. وينبغي أن تظل البنوك المركزية على استعداد للغوص مرة أخرى في بحار غير مألوفة إذا دعت الحاجة.
  • ويمثل إصلاح القطاع المالي مطلبا حيويا. فيجب أن تكون الميزانيات العمومية بالقوة الكافية لمواصلة الإقراض بغية تنشيط النمو. كذلك نحتاج إلى تنظيم مالي أكثر قوة اتساقا.
  • ومن المهم أيضا إجراء إصلاحات هيكلية لتعزيز التنافسية والنمو فيما بعد الأزمة الراهنة، مع ضرورة الاهتمام بالبعد الاجتماعي في هذا السياق. فنحن نحتاج نموا داعما لفرص العمل؛ نحتاج نموا يعم بنفعه المجتمع ككل.

وكما قلت أثناء الاجتماعات، إن العامل الأساسي الذي يتقاطع مع كل هذه القضايا هو التنفيذ، التنفيذ، التنفيذ.

الدعم من الصندوق<

وقد أكدت أيضا أن الصندوق سوف يدعم بلداننا الأعضاء وهي تتخذ هذه الإجراءات.

وطرحت خطة عمل* تركز على زيادة فعالية تحليلاتنا الاقتصادية والمشورة التي نقدمها بشأن السياسات، وتقوية أدوات الإقراض التي يستخدمها الصندوق، وتعزيز شبكة الأمان المالي العالمية، ومواصلة تقديم المساعدة الفنية والتدريب المطلوبين بشدة.

الآن نتحرك، ونتحرك معا

إذن، بالنظر مجددا إلى اجتماعات نهاية الأسبوع الماضي، أعتقد أن الشعور بوحدة الغرض الذي ظهر أثناءها هو أمر بالغ الأهمية للاقتصاد العالمي.

غير أن متابعة العمل حتى الإنجاز ـ من جانب كل الأطراف المعنية ـ هو مطلب أهم في الوقت الراهن. ويعني هذا اتخاذ إجراء جماعي، ليس في قادم السنوات، وإنما في الأسابيع المقبلة.

كلنا معاً في هذه الظروف ـ ومعاً فقط نستطيع الخروج منها.


* باللغة الإنجليزية