بقلم أوليفييه بلانشار

 

دخل الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة خطيرة. فقد ألم الضعف الشديد بالتعافي الاقتصادي، وحدثت زيادة حادة في مخاطر التطورات السلبية. وهناك حاجة ماسة لتحسين الآفاق المستقبلية والحد من المخاطر.

وقد انخفض النمو في عام 2011 بعد أدائه القوي في عام 2010. وكنا قد تنبأنا ببعض التباطؤ نتيجة التقشف المالي في الأساس. وكانت الأحداث الطارئة التي وقعت، مثل الزلزال المأساوي في اليابان، بمثابة تفسير مقبول يبرر حدوث تباطؤ أكبر. كذلك كانت البيانات الأولية عن الولايات المتحدة تتضمن أرقاما أقل من الحجم الفعلي لتباطؤ النشاط. أما وقد توافرت الأرقام الفعلية، فقد بات من الواضح أن ما كان يحدث يتجاوز ذلك.

توقف إعادة التوازن

ما كان يحدث هو توقف الإجراءين المعيدين للتوازن، واللذين أكدنا الحاجة إليهما في كثير من أعداد آفاق الاقتصاد العالمي السابقة لتحقيق "نمو عالمي قوي ومتوازن وقابل للاستمرار."

إعادة التوازن الداخلي:ما يحتاجه الأمر للحفاط على النمو هو زيادة طلب الأسر والشركات مع استمرار التقلص في عجز المالية العامة. وهذه العملية لا تسير على ما يرام، لأسباب متعددة. فتشديد معايير الإقراض المصرفي، والتركة التي خلفتها طفرة أسواق المساكن، وارتفاع مستوى التمويل بالديون لدى كثير من الأسر، كل ذلك يبدو أنه بمثابة كوابح أقوى مما كنا نتوقع على التعافي الاقتصادي.

إعادة التوازن الخارجي: إذا كان الطلب المحلي سيسجل مستوى منخفضا، ينبغي أن تعمل الاقتصادات المتقدمة التي تتحمل عجزا في حساباتها الجارية ـ وخاصة الولايات المتحدة ـ على تعويض هذا الانخفاض عن طريق زيادة الطلب الأجنبي. وينطوي هذا على تحول مطرد من الطلب الأجنبي إلى الطلب المحلي في اقتصادات الأسواق الصاعدة التي تحقق فوائض في حساباتها الجارية، ومن أبرزها الصين. هذا الإجراء المعيد للتوازن لا يتم في الوقت الراهن. فقد حدث تراجع في الاختلالات أثناء الأزمة، لكن مرجع ذلك إلى الانخفاض الكبير في ناتج الاقتصادات المتقدمة مقارنة باقتصادات الأسواق الصاعدة أكثر من كونه نابعا من التصحيح الهيكلي في هذه الاقتصادات. وتشير تنبؤاتنا الاستشرافية إلى أن هذه الاختلالات سوف تزداد في الفترة المقبلة بدلا من أن تقل.

المخاوف المالية

وكان يمكن لهذه التطورات وحدها أن تؤدي بنا إلى تخفيض تنبؤاتنا السابقة. لكن هذ المشكلات تفاقمت من جراء تطور كبير ثان، وهو الزيادة الحادة في التقلب المالي منذ منتصف فصل الصيف.

فقد أصبحت الأسواق أكثر تشككا في قدرة الحكومات على تثبيت دينها العام. واتسع نطاق المخاوف من بلدان الهامش الأوروبية إلى البلدان في قلب أوروبا وغيرها، بما فيه اليابان والولايات المتحدة. وتُرجمت المخاوف بشأن الكيانات السيادية إلى مخاوف تتعلق بالبنوك التي تحوز سندات صادرة عن هذه الكيانات، لا سيما في أوروبا. وأدت هذه المخاوف إلى تجميد جزئي للعلاقات المالية، مع احتفاظ البنوك بمستويات مرتفعة من السيولة وتشديد معايير الإقراض. وقد بلغ الخوف من المجهول مستويات مرتفعة، وهبطت أسعار الأسهم، مما سيؤثر سلبا على الإنفاق والنمو في الشهور القادمة.

تباطؤ النمو

وليس من الغريب أن هذه التطورات جعلتنا نخفض تنبؤاتنا السابقة. ونحن نتنبأ الآن بأن يبلغ النمو العالمي 4% لعامي 2011 و 2012، نزولا من 4.5% تنبأنا بها للعامين في إبريل الماضي.

ومعدل 4% قد لا يبدو معدلا سيئا، لكن التعافي يتسم بقدر كبير من عدم التوازن. فبالنسبة لعام 2011، نتوقع نموا قدره 6.4% لبلدان الأسواق الصاعدة، و 1.6% فقط في الاقتصادات المتقدمة.

وكالعادة نقول ـ وهو أمر يستحق التكرار ـ إن التنبؤات تفترض الوفاء بالالتزامات المتعهد بها على مستوى السياسات.

وفيما عدا ذلك، يمكن للأمور أن تتطور إلى الأسوأ. فمن السهل أن تنشأ حلقة من الآثار المتبادلة بين النمو المنخفض وجوانب الضعف في المالية العامة والقطاع المالي. وانخفاض النمو يجعل ضبط أوضاع المالية العامة أصعب. وضبط أوضاع المالية العامة قد يؤدي إلى نمو ربما يكون أكثر انخفاضا. وانخفاض النمو يضعف البنوك. وضعف البنوك يؤدي إلى تشديد معايير الائتمان وانخفاض النمو. وباختصار، هناك مخاطر واضحة تهدد بحدوث تطورات سلبية لا تتوافق مع هذه التنبؤات.

وأود هنا أن أتحدث قليلا عن البلدان الصاعدة والنامية. فقد ظلت هذه البلدان محصنة إلى حد كبير حتى الآن من مغبة هذه التطورات السلبية. وقد كان عليها التعامل مع تدفقات رؤوس الأموال المتقلبة، لكنها ظلت محتفظة بالنمو المرتفع على وجه العموم. غير أن الاحتمال كبير بأن تواجه بيئة أكثر صعوبة في الفترة المقبلة، حيث تتعرض لأوضاع أكثر سلبية في مجال التصدير، ولزيادة تقلب التدفقات الرأسمالية حتى عن المستوى الراهن.

إجراءات السياسة الحاسمة

تمثل إجراءات السياسة القوية مطلبا جوهريا في ضوء السيناريو الأساسي الضعيف والمخاطر المرتفعة. ويجب أن تستند هذه الإجراءات إلى ثلاث ركائز أساسية.

1) سياسة المالية العامة: يجب ألا يكون ضبط أوضاع المالية العامة مفرطا في السرعة حتى لا يقضي على النمو، ولا مفرطا في البطء حتى لا يقضي على المصداقية. ويجب أن تتحدد السرعة حسب ظروف كل بلد، على أن يظل المفتاح هو إجراء ضبط موثوق على المدى المتوسط. وبعيدا عن سياسة المالية العامة، تتضمن المتطلبات الجوهرية أيضا اتخاذ تدابير لدعم الطلب المحلي تتراوح بين الحفاظ على أسعار الفائدة المنخفضة وزيادة الإقراض المصرفي ووضع برامج لتسوية مشكلات الإسكان.

2) التدابير المالية: لن يزول عدم اليقين بشأن المالية العامة بين ليلة وضحاها. فحتى في ظل أكثر الافتراضات تفاؤلا، سيظل النمو في الاقتصادات المتقدمة منخفضا لبعض الوقت. وخلال تلك الفترة، يجب تقوية البنوك، ليس فقط لزيادة الإقراض المصرفي، وإنما أيضا للحد من مخاطر الحلقات المفرغة التي تتعاقب فيها التأثيرات المتبادلة السلبية. وبالنسبة لعدد من البنوك، وخاصة في أوروبا، يتطلب هذا رؤوس أموال وقائية إضافية، يفضل أن تأتي من مصادر خاصة، وإن كان ينبغي أن تأتي من مصادر حكومية أيضا إذا اقتضت الضرورة.

3) إعادة التوازن الخارجي: من الصعب ضمان النمو الكافي في الولات المتحدة عن طريق الطلب المحلي الأمريكي فقط، حتى مع تدابير السياسة الموضحة آنفا. وعلى ذلك يجب أن يزداد اعتماد الولايات المتحدة على الطلب الأجنبي، أو بعبارة أخرى أن تخفض عجز حسابها الجاري. وقد أعلن عدد من البلدان الآسيوية ذات الفوائض الكبيرة في حساباتها الجارية، وخاصة الصين، خططا لإعادة توازن الطلب بالتحول من الطلب الأجنبي إلى الطلب المحلي. ولا يمكن تنفيذ هذه الخطط بين ليلة وضحاها، لكن تنفيذها يجب أن يم في أسرع وقت ممكن.

وختاما، فلا أمل لنا في تحقيق تعاف أقوى وأكثر صلابة إلا إذا تحركت الحكومات تحركا حاسما في تناول سياسة المالية العامة، وعمليات معالجة الخلل المالي، وإعادة التوازن الخارجي.