بقلم: رابح أرزقي ، و عدنان مزارعي، و براساد أنانذاكريشنان

(بلغات أخرى English)

تشهد كبرى البلدان المصدرة للنفط حاليا عجوزات في موازناتها لأول مرة منذ سنوات نتيجة الهبوط الحاد في أسعار النفط. وتتباطأ معدلات النمو في أصول صناديقها للثروة السيادية التي كانت حتى وقت قريب آخذة في الارتفاع بسرعة كبيرة؛ حتى أن بعضها بدأ يسحب من الاحتياطيات الوقائية.

وعلى المدى القصير لا تمثل هذه الظاهرة مصدرا للقلق. فمعظم البلدان المصدرة للنفط لديها احتياطيات وقائية كافية لتحمل هبوط مؤقت في أسعار النفط. ولكن ماذا يحدث لو استمرت أسعار النفط المنخفضة، وكيف سيكون رد فعل صناع السياسات؟

SWF Photo 1

ونبحث هنا تداعيات أسعار النفط المنخفضة على صناديق الثروة السيادية في البلدان المصدرة للنفط ونخلص إلى أن لها انعكاسات داخلية كبيرة. وسيكون الأثر على أسعار الأصول العالمية مرهونا بمقدار ما سيتعذر تعويضه من أرصدة صناديق الثروة السيادية للبلدان المصدرة للنفط من خلال تعديلات المحافظ الاستثمارية في أنحاء العالم الأخرى.

 

ظهور صناديق الثروة السيادية

في أوائل الألفينات، أدت أسعار النفط المرتفعة إلى إعادة توزيع الدخل بدرجة هائلة إلى البلدان المصدرة للنفط، مما ترتب عليه تحقيق الفوائض في الحسابات الجارية وتراكم سريع في الأصول الأجنبية لدى هذه البلدان. فأنشأت الحكومات صناديق ثروة سيادية جديدة أو زادت من حجم الصناديق القائمة للمساعدة في إدارة الزيادة الكبيرة في مجموع أصولها المالية.

ويتركز إجمالي أصول هذه الصناديق في عدد محدود من البلدان، ليصل حسب التقديرات في مارس 2015 إلى مبلغ قدره 7.3 تريليون دولار، منه أصول مرتبطة بالنفط والغاز بقيمة 4.2 تريليون دولار. وبينما توجد فروق كبيرة بين صناديق الثروة السيادية المختلفة، فإن المعلومات المتاحة عن توزيع أصولها تشير إلى وجود حصة كبيرة منها في هيئة أسهم وسندات.

SWF Photo 2

أسعار النفط وإعادة توزيع الدخل العالمي

مع ارتفاع أسعار النفط على مدار العِقد الأول من الألفية الجديدة، بلغ رصيد الحساب الجاري الكلي للبلدان المصدرة للنفط حوالي 630 مليار دولار في 2011، متجاوزا أرصدة الحسابات الجارية لآسيا الصاعدة مجتمعة. غير أن فوائض الحسابات الجارية للبلدان المصدرة للنفط بدات تتلاشى في عام 2015، ولا يرجح انعكاس مسار هذا التراجع قريبا. ووفقا للتوقعات الحالية، من المحتمل تعافي أرصدة حساباتها الجارية مجتمعة لتصل إلى 200 مليار دولار في عام 2020.

وعلى النقيض من فترة الألفينات، كان هبوط أسعار النفط في الآونة الأخيرة مدفوعا أساسا بعوامل العرض التي قد تؤدي إلى انفصال مساري مراكمة الأصول بين هاتين المجموعتين من صناديق الثروة السيادية. فمن المرجح ارتفاع معدل تراكم الأصول لدى صناديق الثروة السيادية في بلدان آسيا الصاعدة – ومعظمها من البلدان المستوردة للنفط – لكنه سينخفض بالنسبة لصناديق البلدان المصدرة للنفط. ومما لا شك فيه، أن هذا الأمر يتوقف في جانب كبير منه على الخيارات الاستراتيجية لتوزيع الأصول والتي تتخذها كبرى صناديق الثروة السيادية في البيئة الحالية التي تتسم بأسعار النفط المخفضة.

SWF Photo 3

 

الأثر على أسواق الأصول العالمية

يتوقف الأثر الكلي لانخفاض أسعار النفط على أسعار الأصول، من بين جملة أمور، على ما إذا كانت البلدان المستوردة للنفط لديها ميل حدي للادخار أقل من البلدان المصدرة للنفط. فهبوط أسعار النفط غالبا ما يؤدي إلى انتقال الثروة من البلدان المصدرة للنفط إلى بلدان آسيا الصاعدة ذات معدلات الادخار المرتفعة – وكذلك إلى العديد من البلدان الأخرى، ومنها الاقتصادات المتقدمة الكبيرة، وبعضها لديه ميل حدي منخفض للادخار. ومن منظور عالمي، نجد أن هذا الأمر يوحي بانخفاض معدلات الادخار العالمية وارتفاع أسعار الفائدة.

ومن المؤكد أن حجم التراجع على وجه الدقة في وفورات صناديق الثروة السيادية للبلدان المنتجة للنفط يتوقف على التغييرات التي ستقوم بها في أرصدة حسابات المالية العامة والحسابات الجارية الخارجية. وسوف تعتمد عمليات سوق صناديق الثروة السيادية على مقدار ما تقترضه أو ما تسحبه من احتياطياتها المالية الوقائية، بما في ذلك الاحتياطيات في صناديق الثروة السيادية. وقامت المملكة العربية السعودية بإصدار أول سنداتها للديون السيادية منذ عام 2007 للبنوك المحلية من أجل تمويل عجز ماليتها العامة.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن صناديق الثروة السيادية للبلدان المصدرة للنفط هي من المجمعات المهمة الحائزة لسندات دين الخزانة الأمريكية وأسهم الصناديق الخاصة. ويتضح من حساباتنا التقريبية أنه في الفترة التي سبقت انخفاض أسعر النفط كان من المتوقع أن تسجل دول مجلس التعاون الخليجي وحدها فائضا مجمعا في حسابات المالية العامة يبلغ نحو 100 مليار دولار في 2015 وحوالي 200 مليار دولار بين عامي 20150 و2020، لكن من المرجح حاليا أن تسجل عجزا مجمعا قدره 145 مليار دولار في 2015 وأكثر من 750 مليار دولار بين عامي 2015 و2020. وتشير هذه التوقعات إلى تغير صافي الأصول المتاحة لصناديق الثروة السيادية في دول مجلس التعاون الخليجي وحدها قدره 250 مليار دولار في 2015 و950 مليار دولار بين عامي 2015 و2020.

وإذا أخذنا في الاعتبار التشديد المتوقع في السياسة النقدية الأمريكية – وخاصة إزاء خلفية المخاوف المحيطة بسيولة السوق، وزيادة العزوف عن المخاطر، واستمرار تراجع حيازات الاحتياطيات لدى بعض الأسواق الصاعدة – فمن المرجح أن تتأثر الأسواق المالية مباشرة بالتغير الكبير في مسار مراكمة الأصول في صناديق الثروة السيادية.

وقد أوضحت دراسة أجراها خبراء اقتصاديون في بنك الاحتياطي الفيدرالي أنه في حالة انخفاض التدفقات الرسمية الأجنبية إلى سندات الخزانة الأمريكية في أي شهر بمبلغ قدره 100 مليار دولار، سوف ترتفع أسعار الفائدة على سندات الخزانة لمدة خمسة أعوام بنحو 40 إلى 60 نقطة أساس في الأجل القصير، بينما يصل الأثر على المدى الطويل إلى قرابة 20 نقطة أساس.

الانعكاسات الداخلية

ماذا يعني كل ذلك بالنسبة لمراكمة الثروة السيادية في البلدان المصدرة للنفط، على الأقل في الأجل المتوسط؟

من المرجح أن تختبر بيئة أسعار النفط المنخفضة قوة العلاقة بين الحكومات في البلدان المصدرة للنفط وصناديقها للثروة السيادية. فبدون تنفيذ تخفيضات في النفقات العامة سوف تكون تحويلات الحكومات على الأرجح إلى هذه الصناديق أقل من سابق الحال. وفي الوقت نفسه، من المحتمل أن تزداد ضغوط السحب من أصول صناديق الثروة السيادية.

ووفقا لتقديراتنا لن تدوم الاحتياطيات المالية الوقائية في البلدان المصدرة للنفط في الشرق الأوسط، باستثناء الإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت، لأكثر من 25 عاما في ظل خطط المالية العامة الحالية والتوقعات بالنسبة لأسعار النفط. فسوف تنفد هذه الاحتياطيات في البحرين واليمن في غضون العامين القادمين، بينما ستنفد الاحتياطيات الوقائية في معظم البلدان الأخرى خلال أربعة إلى سبعة أعوام.

وحتى رغم استمرار قدرة الحكومات في هذه البلدان المصدرة للنفط على الاقتراض لتمويل إنفاقها فمن الأفضل لها على الأرجح شد الأحزمة إذا ما أرادت أن تحقق الهدف المزدوج من توخي العدالة في تقاسم الثروة النفطية مع الأجيال القادمة وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.