بقلم هوزيه فينيالز

(بلغات أخرى English)

الاستقرار المالي العالمي اليوم ليس مؤكدا بعد، كما أن مخاطر التطورات السلبية هي السائدة. وتتمثل توصيتنا في إجراء تحديث عاجل للسياسات، لتجنب مخاطر التطورات السلبية وتحقيق سيناريو تجاوز التوقعات الذي وضعناه وهو "نجاح عودة الأوضاع النقدية والمالية إلى طبيعتها". وسوف يؤدي ذلك إلى تأمين الاستقرار المالي وتقوية التعافي الاقتصادي.

اسمحوا لي أولا أن أعرض أمامكم تقييمنا الكلي لحالة الاستقرار المالي. فكيف تغيرت منذ عدد إبريل من تقرير الاستقرار المالي العالمي؟ وفي هذا الشأن توجد لدي بعض الأنباء السارة. فقد تحسن الاستقرار المالي في الاقتصادات المتقدمة، مع اتساع نطاق التعافي الاقتصادي وازدياد صلابته. وقد أشار بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى أن رفع أسعار الفائدة الأساسية أصبح وشيكا في الولايات المتحدة نظرا لقرب استيفاء المتطلبات الاقتصادية الأساسية. وفي منطقة اليورو اكتسبت سياسات البنك المركزي الأوروبي فعالية وتواصل أوضاع الائتمان التحسن.

غير أنه كما يتضح في هذا التقرير وفي عدد إبريل 2015 من تقريرنا، تحولت المخاطر نحو الاقتصادات الصاعدة. ورغم أن كثيرا من هذه البلدان سبق أن عززت من أطر سياساتها ومدى صلابتها لمواجهة الصدمات الخارجية، فقد تعرض العديد منها لاختلالات داخلية كبيرة. فالنمو يتباطأ للعام الخامس على التوالي مع انتهاء دورة السلع الأولية الكبرى وطفرات الائتمان غير المسبوقة. ويمثل هذا الأمر أهمية خاصة نظرا لحصة الأسواق الصاعدة الكبيرة في الاقتصاد العالمي، إلى جانب دور الأسواق العالمية في نقل الصدمات إلى الأسواق الصاعدة الأخرى وما يترتب على ذلك من تداعيات على الاقتصادات المتقدمة، وهو ما اتضح من الاضطرابات المالية المشاهدة هذا الصيف.

 صناع السياسات يواجهون ثلاثية من التحديات

أولا، مواطن الخطر في الأسواق الصاعدة: فالميزانيات العمومية للشركات المالية والبنوك تشهد حاليا توسعا بدرجة كبيرة، وتشير تقديراتنا إلى أن مجموع القروض المفرطة في الأسواق الصاعدة يصل إلى قرابة 3.3 تريليون دولار. وقد أدت زيادة الرفع المالي في القطاع الخاص وزيادة الانكشاف على الأوضاع المالية العالمية إلى زيادة تعرض الشركات لنوبات الهبوط الاقتصادي، وتعرض الأسواق الصاعدة لخروج تدفقات رأس المال وتدهور جودة الائتمان. وتواجه الصين، على وجه الخصوص، مهمة تحقيق التوازن الدقيق بين الانتقال إلى نمو أكثر اعتمادا على الاستهلاك دون إحداث تباطؤ مفرط في النشاط، مع القيام في نفس الوقت بتخفيض مستويات الدين المرتفعة من خلال التخفيض المنظم لنسب الرفع المالي، والمضي قدما نحو اعتماد نظام مالي قائم على قوى السوق. وهذه مجموعة من الأهداف المليئة بالتحديات.

ثانيا، يتعين معالجة تركات الأزمة في الاقتصادات المتقدمة لترسيخ الاستقرار المالي والحد من التيارات المعاكسة التي يتعرض لها النمو. ففي منطقة اليورو، لا تزال معالجة مواطن الضعف على الصعيدين السيادي والمصرفي إلى جانب سد الثغرات في البنيان المالي هي من المطالب الحيوية. وفي الولايات المتحدة، فإن الشروع في الإجراءات التي تناقلت بشأنها المعلومات كثيرا، وإن كانت غير مسبوقة، لزيادة أسعار الفائدة لأول مرة منذ تسع سنوات سيكون بمثابة نقطة تحول مهمة للأسواق العالمية.

أما التحدي الثالث فيتمثل في كيفية استجابة الأسواق المالية العالمية في ظل الضغوط. فقد تعلمنا أن الأسواق يمكنها تضخيم الصدمات وأن تكون مصدرا للتقلب والعدوى عند انخفاض السيولة. وبالفعل يخلُص هذا التقرير إلى أن سيولة السوق باتت أقل صلابة.

وهذا هو أهم ما في الأمر نظرا للسياسات النقدية التيسيرية المتبعة على نحو استثنائي والتي ساهمت في تقليص علاوات المخاطر بين مجموعة مختلفة من أسواق الأصول. وفي واقع الأمر، يمكن أن تتوسع فروق علاوات المخاطر على نحو غير منظم فتتسبب في الدخول في حلقة مفرغة من عمليات البيع البخس والاستردادات وزيادة التقلبات.

ومن المحتمل أيضا أن يتسبب الرفع المالي في صناديق الاستثمار في تضخيم الصدمات. وقد خلصت تحليلاتنا إلى بلوغ حجم الرفع المالي ضمن صناديق الاستثمار في السندات مبلغ قدره 1.5 تريليون دولار من خلال المشتقات المالية.

وتتطلب هذه التحديات المتنوعة تحديثا عاجلا للسياسات. فما نحن بصدد تحقيقه هنا هو النجاح في عودة الأوضاع المالية والسياسات النقدية إلى طبيعتها على أن يقترن ذلك بالتعافي الاقتصادي المستمر. غير أن العثرات على مستوى السياسات و/أو الصدمات المعاكسة قد يترتب عليها اضطراب الأسواق العالمية لفترة مطولة فينتهي الأمر بتعطيل التعافي ويؤدي إلى ما أطلقت عليه اسم "فشل التطبيع". فالفرق بين هذين السيناريوهين مذهل تماما، ويصل إلى قرابة 3% من الناتج العالمي بحلول عام 2017". 

إذاً ما السياسات الملحة المطلوبة حاليا؟

لابد أن تظل السياسة النقدية في أهم الاقتصادات المتقدمة تيسيرية وسريعة الاستجابة للتغيرات. وسوف يتعين على منطقة اليورو واليابان على حد سواء الاستمرار في مجابهة الضغوط الخافضة للأسعار. وفي غمار ازدياد أجواء عدم اليقين التي تكتنف الاقتصاد العالمي، يجب على الولايات المتحدة أن تتمهل في رفع أسعار الفائدة الأساسية لحين ظهور مؤشرات أخرى على ارتفاع التضخم على نحو مطرد، مع استمرار قوة سوق العمل. وينبغي توخي التدرج في وتيرة الزيادات اللاحقة لأسعار الفائدة الأساسية مع دقة إبلاغها للجمهور.

ولا يسع صناع السياسات في منطقة اليورو الاعتماد على البنك المركزي الأوروبي وحده، فلا بد أن يسعوا لاستكمال الاتحاد المصرفي للمضي قدما نحو ترسيخ الاستقرار المالي. وينبغي لمنطقة اليورو أيضا تحقيق التقدم نحو إقامة اتحاد أسواق رأس المال. ومن شأن تعزيز بنوك منطقة اليورو عن طريق المعالجة الشاملة لمشكلات القروض المتعثرة وفرط ديون الشركات أن يؤدي إلى رفع كفاءة السياسة النقدية، ودعم ثقة السوق، وتحسين آفاق الاقتصاد. فتسوية القروض المتعثرة في بنوك منطقة اليورو يمكن أن توفر قرابة ثلاثة بالمئة من مجموع القروض في هيئة طاقة إقراضية جديدة، أي قرابة  600 مليار يورو.

وسوف تقتضي إجراءات إعادة توازن النمو وتخفيض نسب الرفع المالي في الصين توخي درجة كبيرة من الحرص. فالسلطات الصينية تواجه تحديات غير مسبوقة على مستوى السياسات في سياق التحول نحو نموذج جديد للنمو ونظام مالي أكثر ارتكازا على قوى السوق. ومن المؤكد أن تخفيض الرفع المالي في قطاع الشركات وزيادة انضباط السوق سيؤديان إلى توقف بعض الشركات عن السداد، وخروج الشركات غير المؤهلة للاستمرار، بالإضافة إلى شطب بعض القروض المتعثرة، الأمر الذي سيقتضي مزيدا من التعزيز للبنوك. ومع ذلك، فإن التحرك بحزم سيكون أقل تكلفة في نهاية الأمر من محاولة الخروج من المشكلة.

ومن المطالب الحيوية في هذا الشأن بناء الصلابة اللازمة والحفاظ على الثقة في الأسواق الصاعدة. فسوف يتعين على الأسواق الصاعدة تخطي دورة الائتمان. فمع تباطؤ النمو وارتفاع نسب الرفع المالي في الشركات سوف يتعين توخي الحرص على الفور لضمان صلابة الشركات والبنوك على السواء. وبالإضافة إلى ذلك فإن الحفاظ على تصنيف المرتبة الاستثمارية السيادية باتخاذ التدابير الملائمة يمثل مطلبا حيويا. وسوف يقتضي التعامل مع أي انتشار للعدوى المالية توخي الحكمة والمهارة في استخدام الهوامش الوقائية المتاحة من السياسات.

ومن الأولويات في هذا الخصوص الوقاية من عدم سيولة السوق وتقوية هيكل الأسواق المالية. فسوف يتعين تعزيز الرقابة على السيولة في صناعة إدارة الأصول لتجنب مخاطر البيع البخس والتهافت على الاستردادات.

وهناك حاجة ماسة لبذل الجهود الجماعية من أجل تحديث السياسات بغية التصدي للتحديات المتزايدة في عالم تخيم عليه ظلال عدم اليقين من أجل ضمان الاستقرار المالي وتحسين آفاق النمو. فهناك ثلاثة بالمئة من الناتج العالمي على المحك.