بقلم: كريستوف ديونفلد وراغنار غودمنسون

(بلغات أخرى English)

 

لقد واجه الاقتصاد الفلسطيني أوقاتا عصيبة في الفترة الأخيرة. فلم يكن النمو الاقتصادي على مدى الثلاثة أعوام الماضية كافيا لمواكبة النمو السكاني. وأدى ذلك إلى ارتفاع معدلات البطالة ارتفاعا شديدا، حيث هناك واحد من بين كل أربعة فلسطينيين عاطل عن العمل وتسجل غزة واحدا من أعلى مستويات البطالة في العالم، فهناك اثنين من بين كل خمسة من سكان غزة عاطلين عن العمل. وكانت نتيجة هذا الوضع حدوث هبوط شديد في مستويات المعيشة. ونجد أن الاستهلاك، وليس الاستثمار، هو الذي يدفع النمو، مما يهدد الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

والقصة في الضفة الغربية هي قصة تباطؤ نشاط اقتصادي يرزح تحت عبء القيود الإسرائيلية وقيود على إمكانية الوصول إلى ثلثي أراضيه وموارده. وفي نفس الوقت، تتعافى غزة من الحرب ببطء وتصارع وضعا إنسانيا مأساويا. وهناك بصيص أمل على حدوث انفراجة في عملية السلام بين حكومة إسرائيل والسلطة الفلسطينية، أو استمرار المصالحة الوطنية بين الفصيلين السياسيين المتنافسين في الداخل، بينما يواجه الفلسطينيون مستقبلا محاطا بأجواء كثيفة من عدم اليقين، مع وقوع أكبر الأثر على الشباب.

إتقان إدارة الأزمة

في هذه البيئة القاسية، تستحق السلطة الفلسطينية الثناء على جهودها الدؤوبة للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وتعزيز مؤسسات الحكومة.

وتبينت أوضح وأحدث الأمثلة على قدرتها على إدارة الأزمات عندما احتجزت إسرائيل إيرادات المقاصة في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2015—وهي ضرائب غير مباشرة على السلع المستوردة، تمثل ثلثي مجموع إيرادات السلطة الفلسطينية. ومن خلال إدارة المالية العامة بمهارة، نجحت السلطة الفلسطينية في منع تصاعد التوترات الاجتماعية مع قيامها بخفض النفقات الطارئة. وخلال حرب غزة العام الماضي، نفذت سلطة النقد الفلسطينية خطة قوية لاستمرار العمل مما ساعد على الحفاظ على الاستقرار المالي في غزة. وتواجه السلطة الفلسطينية أيضا انخفاضا مستمرا في الدعم الذي يقدمه المانحون، والذي يغطي ما يقرب من ثلث موازنتها وتقلص بما يزيد على 20% على مدى العامين الماضيين.

وبرغم هذه الصدمات، لا تزال السلطة الفلسطينية ملتزمة بمواصلة تخفيض عجز المالية العامة، معتمدة في ذلك على التقدم الجيد الذي تحقق في السنوات الأخيرة، وبحماية جهازها المصرفي.

مواصلة مسار المالية العامة

على المدى القصير، وفي ظل محدودية المساحة المتاحة للاقتراض من مصادر محلية ووجود فجوة تمويل كبيرة يتعين سدها، تنشأ مخاطر من احتمال تراكم مدفوعات متأخرة من جديد، مما يزيد نشاط القطاع الخاص ضعفا. وبالتالي، ستكون هناك حاجة إلى انضباط مالي قوي، يجمع بين التدابير المعززة للإيرادات والقيود على النفقات الجارية.

وعلى صعيد الإيرادات، ينبغي التركيز على تسجيل مكلفين ضريبيين جدد، وتوسيع الوعاء الضريبي، وتعزيز عمليات تحصيل الضرائب. وعلى صعيد النفقات، تشمل الأولويات احتواء فاتورة الأجور المرتفعة والحد من تأثيرها الذي يؤدي إلى ارتفاع معدل التضخم، إلى حين البدء في تنفيذ الإصلاحات الطموحة في نظم الخدمة المدنية ومعاشات التقاعد من أجل تعزيز إمكانية استمرار أوضاع المالية العامة. إضافة إلى ذلك، فإن استمرار تخفيض الدعم على الوقود والكهرباء ينبغي أن يكون مصحوبا بزيادة التحويلات الموجهة في الوقت المناسب إلى أضعف الأسر حالا.

ويتضح من آخر تحليلات القدرة على الاستمرار في تحمل الدين أن الدعم الذي يقدمه المانحون سيظل هو شريان الحياة للسلطة الفلسطينية على المدى المتوسط. ومع هذا، فإن تعبئة مزيد من تدفقات المعونة هذه الأيام ليس مهمة سهلة، نظرا للقيود على الموازنات في الاقتصادات المتقدمة والاحتياجات المتنافسة الناشئة من الصراعات الأخرى في المنطقة.

وبالتالي سيكون من الضروري أن تعتمد السلطة الفلسطينية سياسات قوية، مثل تدابير المالية العامة التي تحدثنا عنها مقترنة بإصلاحات هيكلية، لإقناع شركاء التنمية بالحفاظ على مستوى المعونة التي يقدمونها أو تقديم المزيد منها. ويمكن أن تركز الإصلاحات الهيكلية على زيادة شفافية المالية العامة، وتعزيز المساءلة، وتحسين بيئة الأعمال عن طريق تبسيط الإجراءات، وتسهيل تسجيل الأراضي، وتشجيع المنافسة من خلال الإصلاح التنظيمي. 

تنمية الأمل من خلال التعاون الاقتصادي

بالنظر إلى المستقبل، من الواضح أنه بدون تحقيق انفراجة سياسية، سيظل النمو أقل مما يلزم لتخفيض معدلات البطالة ورفع مستويات المعيشة بصورة دائمة. ومن شأن التقدم على صعيد عملية السلام وتخفيف القيود التي تفرضها إسرائيل أن يحسن النتائج الاقتصادية بصورة هائلة، وذلك بوسائل ليس أقلها طمأنة المستثمرين في القطاع الخاص. وسوف يسهل كذلك التحول إلى نمط للمالية العامة تستثمر الحكومة من خلاله في رأس المال البشري والمادي، بدلا من أن تكون الملاذ الأخير لتوظيف القوى العاملة.

وفي نفس الوقت، حتى في حالة عدم حدوث انفراجة على صعيد عملية السلام، يمكن تحقيق منافع جمة من خلال تحسن التعاون الاقتصادي الفلسطيني الإسرائيلي على المستوى الفني.

وبالروح التي سادت اتفاقية أوسلو، وتماشيا مع هدف المجتمع الدولي وهو التوصل إلى حل الدولتين، ينبغي للحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية استئناف الاجتماعات التي تعقدها اللجنة الاقتصادية المشتركة بانتظام والتي تجمع وزيري المالية الفلسطيني والإسرائيلي معا. علاوة على ذلك، ينبغي بذل الجهود لاجتماع لجنة الاتصال المشتركة مرة أخرى (في حضور طرف ثالث) من أجل تسوية القضايا المعلقة المتعلقة بتنفيذ بروتوكول باريس، بما فيها التحويل الكامل لمدفوعات الضرائب والرسوم والرعاية الصحية إلى السلطة الفلسطينية.

وكخطوة أولى، ينبغي التوصل إلى حل يقبله الجانبان فيما يخص مطالبات الطرفين بسداد ديون الكهرباء القائمة، بناء على عملية تدقيق شفافة تجريها شركة محاسبة دولية معروفة. ويمكن أن يؤدي هذا التدقيق إلى الاتفاق على خطة لأداء المدفوعات ويسمح بجدولة تحويلات إيرادات المقاصة، دون أي خصومات، مما يسهم في صياغة وتنفيذ سياسة للمالية العامة موجهة نحو المستقبل.

وعند هذا المنعطف الحاسم، يجب أن تعمل الأطراف المعنية الرئيسية معا لوضع المالية العامة على مسار أكثر سلامة، وحماية المؤسسات، وضمان تدفق المعونة المقدمة من المانحين إلى الداخل بصورة مطردة. فعواقب عدم اتخاذ أي إجراءات قد تكون وخيمة، وهي الركود المستمر وارتفاع البطالة ثم القلاقل الاجتماعية في نهاية المطاف. وهناك حاجة الآن أكثر من أي وقت مضى لعقد حوار بناء. وسوف يواصل صندوق النقد الدولي من جانبه تقديم المساعدة في مجالات خبراته.