بقلم كارلو كوتاريللي

في غمار توترات الأسواق المالية ومشاعر اليأس والأسى التي تخيم على الاقتصاد العالمي، من السهل أن ينتابنا التشاؤم. وربما يكون التشاؤم السائد مبالغا فيه؛ فوسط ما يبدو وكأنه قرع مستمر لطبول الأنباء السيئة، قد يغفل الناس عما تحقق في العامين الماضيين.

ففي الاقتصادات المتقدمة، لا يزال مستوى الدين العام وعجز المالية العامة بالغ الارتفاع. ومع ذلك، فقد حقق العديد من الاقتصادات المتقدمة إنجازا مهما في تصحيح أوضاع المالية العامة. وبالنسبة لمعظم البلدان، سجل العجز الحكومي تراجعا كبيرا ـ بمتوسط 2.25 نقطة مئوية من إجمالي الناتج المحلي مقارنة بمستواه منذ عامين.

وتبدو آفاق المالية العامة في معظم البلدان أقوى مما كنا نتوقع منذ عامين. ولنتحدث هنا عن البلدان الأوروبية الخمسة الكبرى. نشاهد باللون الرمادي في الرسم البياني أدناه الزيادة التي توقعناها منذ عامين في نسبة الدين العام إلى إجمالي الناتج المحلي للفترة من 2012 وحتى 2014. ونشاهد باللون الأزرق أيضا زيادة الدين في نفس الفترة. وكما ترون، فإن التوقعات الحالية تشير إلى ارتفاع نسب الدين بأقل مما كنا نتوقع، كما تشير إلى انخفاض هذه النسب في بعض الحالات. ويرجع هذا إلى التزام هذه البلدان بتخفيض العجز على مدار فترة ممتدة.


ورغم التقدم المحقق، يبدو أن الأسواق المالية في أوروبا لا ترى أن المنطقة تتخذ الإجراءات الكافية على الصعيد المالي. إذن، ما السبب في هذه الفجوة بين تصورات السوق ومعطيات الواقع؟

قد يكون التواصل جزءا من المشكلة. فهناك أصوات متنافرة نسمعها في منطقة اليورو، حيث يعرب 17 من صناع السياسات عن وجهات نظرهم، كل بمفهومه الخاص. ويترتب على ذلك نوعا من عدم اليقين، في الوقت الذي تود فيه الأسواق المالية سماع صوت واضح ورسالة جلية. كذلك فإن الاتفاق الذي توصل إليه القادة الأوروبيون هذا الصيف يتيح لهم مزيدا من المرونة في التصدي للمشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات مكتملة، لكن التنفيذ لم يتحقق بعد. وسوف يرسل التنفيذ العاجل إشارة سياسية واضحة بأن أعضاء منطقة اليورو سيواصلون القيام بأي عمل يتطلبه الحفاظ على الثقة.

لذا أقول للمتشائمين لا تنسوا ما تحقق بالفعل.

وأقول للمتفائلين (إن وجدوا) لا تستهينوا بما ينبغي عمله.

وهناك مهمة معقدة تقع على عاتق السياسات المالية. فعلى صناع السياسات التأكد من أن القطاع العام لا يشكل مصدرا من مصادر عدم الاستقرار، وذلك بالالتزام بخطة تعمل على تثبيت الدين العام ثم تخفيضه. وفي الوقت نفسه، عليهم التأكد من أن التقشف المالي المقترن بهذا الهدف لا يشكل في ذاته مصدرا من مصادر عدم الاستقرار من خلال ما قد يسببه من إضعاف للتعافي الاقتصادي الذي يمر بمرحلة دقيقة بالفعل.

ولن يجد بعض البلدان مفرا من التقشف الشديد في الأجل القصير بسبب أحوال السوق، مع محاولة الحد من تداعياته على النمو. أما البلدان الأخرى التي تمر بظروف تمويلية أسهل فسيكون بإمكانها المضي في التقشف بوتيرة أبطأ على المدى القصير، لا سيما إذا كان ينظر إلى التزاماتها متوسطة الأجل باعتبارها محل ثقة كبيرة. وتبعا لظروف كل بلد، يتحدد المزيج السليم من التصحيح المالي قصير الأجل ومتوسط الأجل في الأجلين القصير والطويل.

فبالنسبة للولايات المتحدة، على سبيل المثال، يمكن أن يؤدي الالتزام ببرنامج موثوق لخفض الدين والعجز على المدى المتوسط إلى إيجاد حيز مالي كاف يسمح بدرجة أكبر من المسايرة للدورة الاقتصادية على المدى القصير. ومن هذا المنظور، يمكن أن يكون لقانون الوظائف الأمريكي الذي اقترحه الرئيس أوباما دور حيوي في دعم النمو وتوظيف العمالة، إذا ما جاء ضمن إطار ملائم متوسط الأجل لتخفيض الدين العام.

ونظرا لحجم التصحيح اللازم في الولايات المتحدة، فسوف يتعين أن يتضمن هذا الإطار زيادة في الإيرادات الضريبية، وسيكون من الضروري التأكد من توزيع أعباء هذه الزيادة توزيعا عادلا بين مختلف فئات المجتمع. وسيتعين أيضا إصلاح نظام المستحقات ـ الرعاية الصحية والتأمين الاجتماعي على السواء ـ بغية احتواء نمو الإنفاق على هذه البنود. غير أنه من الضروري أن تأتي مجموعة التدابير الخافضة للديون نتاجا لتوافق عام في الآراء على المستوى السياسي بغية طمأنة الأسواق المالية لاستمرار الالتزام بها على المدى الطويل.

وأستعين بعبارة قديمة فأقول إن الأسواق تبدو أكثر تركيزا على كون الكوب نصف فارغ، متجاهلة أن نصفه الآخر مليء. وربما يكون من الحكمة أن يتوقف المتشائمون لحظة، ويأخذوا رشفة من الكوب، ويتأملوا ما كان عليه الحال، قبل البدء في مواجهة ما يعترف الجميع بأنها تحديات بالغة الصعوبة.