Andrew Jewell profile pictureبقلم: أندرو جويل

(بلغات أخرى English)

يتقاضى الاقتصاديون مقابلا لوضع التنبؤات الاقتصادية. وإذا حالفهم الحظ، يمكنهم التعويل على بيانات اقتصادية كلية مرتبطة وجيدة التوقيت للاسترشاد بها في وضع تلك التنبؤات. ولكن، ماذا يفعل الاقتصادي إذا كانت أكثر البيانات ارتباطا متقطعة ولا تتوافر إلا بعد مرور وقت طويل؟ هذا هو الوضع في لبنان.

فالاقتصادي الذي يحاول التنبؤ بالنمو الاقتصادي في لبنان يواجه قيودا واضحة مقارنة بالاقتصادي الذي يعمل على تنبؤات بلد مثل المملكة المتحدة. ذلك أن هيئة الإحصاء في المملكة المتحدة تنتج بيانات إجمالي الناتج المحلي بعد شهر واحد من تاريخها الفعلي. ويعني هذا أن من يحاول التنبؤ بالنمو الاقتصادي لعام كامل في المملكة المتحدة ستتوافر لديه بحلول شهر يوليو من كل عام بيانات عن النتائج الفعلية في ربعي عام.

أما الوضع في لبنان فهو مختلف تماما. فلأسباب منها الافتقار إلى الموارد، يتم إعداد بيانات إجمالي الناتج المحلي على أساس سنوي وتنشر بعد توقيتها الفعلي بمدة قد تتجاوز العامين في بعض الأحيان. ولذلك يتطلب التنبؤ بالنمو الاقتصادي في لبنان قدرا أكبر من الابتكار.

وفي غياب البيانات الاقتصادية الكلية الموثوقة والحديثة، عمد اقتصاديو الصندوق إلى استخدام تقنيات "التنبؤ الآني" (“nowcasting”) لتقدير إجمالي الناتج المحلي في لبنان. ويشيع استخدام هذا المنهج الإحصائي الذي يتألف من كلمتي "الآن" و "التنبؤ" بالإنجليزية بين البنوك المركزية والأطراف المشاركة في السوق. والفكرة الأساسية هي أن الإشارات المتعلقة بإجمالي الناتج المحلي الحالي يمكن اشتقاقها من مجموعات كبيرة ومتنوعة من المعلومات قبل أن تتوافر البيانات الرسمية ذاتها، وهي تقنية تطبق في فروع معرفية أخرى. وتقوم أساليب التنبؤ الآني على محتوى الوسائط الاجتماعية، وقد استُحْدِثت لتقدير بيانات مثل "مزاج" السكان أو وجود وباء الإنفلونزا.

وبالرغم من أن إحصاءات الاقتصاد الكلي الرئيسية في لبنان تنشر بعد فترات زمنية طويلة، فإن هناك مؤشرات أكثر حداثة. على سبيل المثال، تنتج شركة آراء للبحوث والاستشارات (ARA Research & Consultancy) مؤشرا لثقة المستهلكين. ويمكن الحصول على تلخيص للتطورات في قطاع التجزئة من خلال مؤشر التجزئة الذي تصدره جمعية تجار بيروت وفرنسا بنك  (Beirut Trader Association–Fransabank Retail Index)، بينما يمكن رصد مزاج المستثمرين من خلال مؤشر الاستثمار الذي تصدره جميعة تجار بيروت ومجموعة البحر المتوسط (Beirut Traders Association-BankMed Investment Index). وفي نوفمبر 2013، أطلق بنك لبنان والمهجر (BLOM Bank) وشركة "ماركيت" (Markit) لخدمات المعلومات المالية مؤشرا لمديري المشتريات.

ويستخدم أسلوب التنبؤ الآني هذه المؤشرات وغيرها من المؤشرات عالية التواتر سعياً للتوصل إلى أهم الاتجاهات العامة في النشاط الاقتصادي ككل. والتحدي الرئيسي في هذا الصدد هو ضرورة استعراض مجموعة واسعة من المؤشرات للعثور على نموذج كفء في رصد إجمالي الناتج المحلي. ولكن هناك عقبة أساسية واحدة. فكثير من المؤشرات عالية التواتر يغلب عليها التحرك بشكل متلاصق، مما يصعب معه اختيار أفضل المؤشرات من قائمة البدائل الممكنة. ونتيجة لذلك، تنتج التقنيات الإحصائية التقليدية في بعض الأحيان نماذج غير مستقرة، تتسم بالتحولات الكبيرة كلما أضيفت معلومات جديدة. والنموذج غير المستقر يعني تقديرات لإجمالي الناتج المحلي لا يمكن التعويل عليها.

وللتغلب على هذه المشكلة، استخدم اقتصاديو الصندوق منهجا يسمى "الانحدار الجزائي" (penalized regression). والفكرة هنا تتلخص في فرض درجة بسيطة من التحيز على النموذج المستخدم للحد من قابلية تغير التقديرات. وإذا تم ذلك كما ينبغي، ينتج هذا المنهج نموذجا يتسم بأداء موثوق يتفوق على أداء التقنيات الإحصائية التقليدية في التنبؤ بإجمالي الناتج المحلي. وكما يمكن أن نرى في الرسم البياني أدناه، النتائج مشجعة؛ فتقديرات إجمالي الناتج المحلي في النموذج قريبة من بيانات إجمالي الناتج المحلي المتاحة للفترة من 1997 إلى 2013.

فما الذي يعنيه هذا بالنسبة للبنان؟ بفضل تقنيات التنبؤ الآني، يستطيع اقتصاديو الصندوق التغلب على القصور الإحصائي وإنتاج تقديرات تقوم على ركيزة سليمة عن النمو الاقتصادي في لبنان باستخدام البيانات البديلة التي يمكن الحصول عليها بسهولة وسرعة.

ARA Lebanon