أوليفييه بلانشاربقلم: أوليفييه بلانشار

(بلغات أخرى English)

أصدرنا اليوم العدد الجديد من تقرير مستجدات آفاق الاقتصاد العالمي.

ولكن، أبدأ أولا بتناول الحدث الضخم، وهو التطورات في اليونان.

وربما يكون استخدام صفة "الضخم" غير ملائم في هذا الموضع. فرغم درامية هذا الحدث البارز، نجد أن اليونان ذاتها تساهم بأقل من 2% من إجمالي الناتج المحلي لمنطقة اليورو، وأقل من 0.5% من إجمالي الناتج المحلي العالمي.

وبالطبع، لا نزال نتطلع ويحدونا الأمل في التوصل إلى حل إيجابي يحافظ على عضوية اليونان في منطقة اليورو. ولا مجال للشك في أن اليونان تعاني وقد تزداد معاناتها إذا دخلت سيناريو الخروج غير المنظم من منطقة اليورو. ولكن المرجح أن تكون الآثار محدودة على بقية الاقتصاد العالمي. فالروابط التلقائية، من خلال التجارة أو التمويل، محدودة. وبينما ينبغي للمرء أن يقلق دائما من احتمال العدوى، ومن "المجهولات المجهولة"، فكل هذه الأمور لم تحدث حتى الآن، وحقق الاقتصاد العالمي نجاحا مُرْضياً في اجتياز اختبارات الإجهاد التي مر بها في الأسبوعين الماضيين.

غير أن هناك درس أكبر ينبغي استخلاصه، وهو أن الدين المرتفع هو ما يميز عالم ما بعد الأزمة ولن يستغرق الأمر وقتا حتى تخرج ديناميكية الدين عن نطاق السيطرة. ومن المرجح أن نشهد حالات أخرى مشابهة، سواء كانت حالات دول أو مؤسسات مالية أو شركات، وعلينا الاستعداد لمواجهتها.

وبعيدا عن اليونان، هناك تطورات عامة تتبلور في توافق كبير مع تنبؤاتنا في إبريل الماضي. فالنمو المحدود لا يزال مستمرا، مع تعافٍ أفضل في الاقتصادات المتقدمة، وتباطؤ في النمو الأساسي لدى الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية. وتشير التنبؤات إلى نمو الاقتصاد العالمي بمعدل 3.3% هذا العام و 3.8% في العام القادم.

وبنظرة إلى مختلف أنحاء العالم، نجد أن أهم التطورات غير المتوقعة هو ما أعلنته الولايات المتحدة من تسجيل معدل نمو سالب في الربع الأول من العام. ويمكن أن يمثل هذا المعدل أكثر من نصف التعديل البالغ 0.2% في تنبؤات الاقتصاد العالمي لعام 2015. والسؤال الذي طُرِح عند صدور هذه الأرقام هو ما إذا كان هذا مؤشرا على وجود ضعف أساسي في الاقتصاد الأمريكي. أما وقد انجلت الغيوم إلى حد كبير، نقول إن رد هذا السؤال هو النفي. فلا تزال أساسيات الاقتصاد قوية، ولا يزال الاقتصاد الأمريكي يسير على المسار الصحيح.

ومن تطورات البلدان الأخرى الجديرة بالذكر:

في الاقتصادات المتقدمة، أصبح التعافي في منطقة اليورو قائما على ركيزة أكثر ثباتا، وهو ما يشمل معظم البلدان على أطراف المنطقة. ففي إسبانيا، على سبيل المثال، تشير التنبؤات الحالية إلى معدل نمو يتجاوز 3%. ورغم تحقيق اليابان نموا قويا في الربع الأول من العام، حدث تخفيض طفيف في تنبؤات النمو المتوقعة لها في عام 2015، وإن ظلت موجبة بمعدل قدره 0.8%.

وفي الاقتصادات الصاعدة، لم ندخل أي تعديلات على تنبؤاتنا للنمو في الصين، وهي 6.8% لعام 2015، ولكن ربما شاب ذلك درجة أكبر من عدم اليقين. وقد يتأثر الإنفاق تأثرا محدودا بانفجار ما كان قد تحول بالفعل إلى فقاعة واضحة في أسعار سوق الأسهم. ولكن تباطؤ النمو حاليا يرجع في المقام الأول إلى تباطؤ النشاط في مجال الاستثمار العقاري، وهو تطور نراه مرغوبا في الأساس. وعند وضع التنبؤات للصين، نظل نفترض أن السلطات الصينية ستسمح ببعض التباطؤ في النمو، مع استخدام السياسة النقدية وسياسة المالية العامة عند الحاجة لمنع حدوث تباطؤ حاد. ومن ثم، نتنبأ أن يبلغ النمو 6.3% في عام 2016 و 6% في 2017.

وبالنسبة للبرازيل، تم تخفيض تنبؤات النمو ليصبح المعدل الحالي -1.5%. ومع اقتران الثقة المنخفضة بتشديد السياسات لاستعادتها، تتشكل حالة من الركود على المدى القصير. وتشير التنبؤات إلى نمو قدره -3.4% في روسيا، أي أفضل بقليل مما ورد في تنبؤات إبريل الماضي، بفضل تحسن أسعار السلع الأولية ومستوى الثقة، وإن كان يظل معدلا سيئا للغاية.

وننتقل إلى المخاطر: نلاحظ أن طبيعة المخاطر وتوزيعها قريبان إلى حد كبير مما ورد في عدد إبريل الماضي من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي. فلا يزال احتمال التحولات المربكة في الأصول وانخفاض مستوى السيولة في بعض الأسواق من المخاطر السلبية البارزة. وقد تتحقق هذه المخاطر حين يتخلى الاحتياطي الفيدرالي عن نطاق سعر الفائدة الأدنى الصفري، ولكن هناك أحداثا أخرى يمكن أن تتسبب أيضا في عدم الاستقرار المالي لبعض الوقت. وعلى الجانب الإيجابي، تراجَعت مخاطر الانكماش؛ حيث أصبح انتقال الانخفاض في أسعار النفط أمرا أقرب إلى الماضي. ورغم انخفاض التضخم الفعلي، ظلت توقعات التضخم على ركيزة ثابتة.

وبالنظر إلى أبعد من هذه التنبؤات قصيرة الأجل، أرى ثلاث قضايا أساسية على مستوى الاقتصاد الكلي:

أولا، مدى سرعة الاقتصادات المتقدمة في التخلص من تركة الأزمة، ولا سيما عبء الديون المفرطة، ليس فقط على مستوى الحكومات وإنما الشركات والأسر أيضا. وتعتبر اليونان وبورتوريكو تذكرة بأخطار الديون الضخمة. ولكن، حتى إذا كانت الديون في حدود يمكن الاستمرار في تحملها، نجد أن الدين المرتفع يكبح الإنفاق ويتطلب أسعار فائدة منخفضة للحفاظ على الطلب والناتج. وقد تعلمنا أن هذه الأمور يمكن أن تؤدي بدورها إلى عودة البنوك المركزية لتطبيق النطاق الأدنى الصفري كما يمكن أن تتسبب في فرط المخاطرة.

ثانيا، ما إذا كان باستطاعة الاقتصادات المتقدمة أن تحقق زيادة ملموسة في النمو على المدى المتوسط. فشيخوخة السكان وانخفاض مستوى الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج يجتمعان في كثير من البلدان لإحداث انخفاض في مستوى النمو الممكن. والنمو المنخفض، وخاصة إذا اقترن بارتفاع عدم المساواة، يمكن أن يؤدي بسهولة إلى توترات مالية واجتماعية وسياسية. ويصبح التحدي هو ما إذا كان يمكن تحسين هذا الاتجاه العام الأساسي من خلال الإصلاحات الهيكلية، وكيف يتم ذلك.

ثالثا، ما إذا كان تباطؤ النمو في عدد من اقتصادات الأسواق الصاعدة يعكس عوامل مؤقتة أم دائمة. فتراجع النمو المطرد في أمريكا اللاتينية على مدار الخمس سنوات الماضية، على سبيل المثال، يشير إلى أن النمو المرتفع الذي تحقق في الألفينات كان يرجع بصفة جزئية إلى أسعار السلع الأولية المرتفعة والظروف المالية الدولية الميسورة. والسؤال إذن يتعلق بالطريقة المثلى لإدارة التحول إلى بيئة من الأسعار المستقرة أو حتى المتناقصة، والظروف المالية الأكثر ضيقا.

وخلاصة القول إن النمو المحدود مستمر، ولا يزال من الضروري اتخاذ تدابير لزيادة الطلب على المدى القصير والعرض على المدى المتوسط.