أوليفييه بلانشاربقلم: أوليفييه بلانشار

(بلغات أخرى English)

في عدد إبريل 2015 من تقريرنا عن آفاق الاقتصاد العالمي، نتنبأ بأن يظل النمو العالمي هذا العام مقارب لمستواه في العام الماضي، حيث يبلغ 3.5% مقابل 3.4% في 2014. ويعكس هذا الرقم العالمي ارتفاعا في نمو الاقتصادات المتقدمة، من 1.8% إلى 2.4% هذا العام، يقابله انخفاض في نمو اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، من 4.6% في العام الماضي إلى 4.3% هذا العام. وباختصار، سوف نرى نموا "محدودا وغير متوازن"، حسب وصف السيدة مدير عام الصندوق في الأسبوع الماضي.

ووراء هذه الأرقام تكمن مجموعة معقدة للغاية من القوى التي تشكل الاقتصاد العالمي - بعضها واضح تماما، مثل انخفاض سعر النفط وتطورات أسعار الصرف، وبعضها الآخر يقوم بدور أكبر وراء الكواليس ولكنه يظل مهما، مثل التركة التي خلفتها الأزمة وانخفاض النمو الممكن. وسوف أستعرض كلا منها بإيجاز.

لا تزال التركة التي خلفتها الأزمة المالية وأزمة منطقة اليورو واضحة في كثير من الاقتصادات المتقدمة. وفي هذا السياق، نجد أن البنوك الضعيفة ومستويات الدين المرتفعة – في القطاع العام أو قطاع الشركات أو الأسر – لا تزال عبئا معوقا للإنفاق والنمو، وإن كان بدرجات متباينة. ويعمل النمو المنخفض، بدوره، على إبطاء عملية تخفيض الرفع المالي. وهناك درس واضح نستخلصه في هذا الخصوص، وهو أن تخفيض الرفع المالي سيستغرق وقتا.

كذلك حدث انخفاض في النمو الممكن. وكان النمو الممكن في الاقتصادات المتقدمة قد بدأ يتراجع بالفعل قبل بداية الأزمة، حيث كانت شيخوخة السكان قد أصبحت عاملا مؤثرا آنذاك إلى جانب تباطؤ الإنتاجية الكلية. ثم تفاقمت الأمور بفعل الأزمة، إذ أدى الانخفاض الكبير في الاستثمارات إلى زيادة انخفاض نمو رأس المال. ومن المتوقع أن ينتعش نمو رأس المال، ولكن شيخوخة السكان وضعف نمو الإنتاجية سيظلان قيدا على الاقتصاد. ونجد الانخفاض أوضح في الأسواق الصاعدة، حيث تقترن شيخوخة السكان بانخفاض تراكم رأس المال وتراجُع نمو الإنتاجية لإحداث تراجع كبير في النمو المستقبلي الممكن. ومن الخطأ الحديث عن ركود متوقع، كما فعل البعض، ولكن احتمالات المستقبل أصبحت أكثر تواضعا. وتؤدي احتمالات المستقبل الأكثر تواضعا، بدورها، إلى انخفاض الإنفاق وتراجُع معدلات النمو حاليا.

ARA WEO Tableوأدى انخفاض سعر النفط إلى إعادة توزيع نسبة كبيرة من الدخل الحقيقي لتنتقل من البلدان المصدرة للنفط إلى البلدان المستوردة له. وتشير الأدلة المبكرة إلى تزايد الإنفاق مع ارتفاع الدخل الحقيقي في البلدان المستوردة للنفط، من الولايات المتحدة إلى منطقة اليورو والصين والهند. أما البلدان المصدرة للنفط فقد خفضت إنفاقها بدرجة أقل، حيث يمتلك الكثير منها احتياطيات مالية كبيرة تمكنه من تخفيض الإنفاق ببطء.

وكانت تحركات أسعار الصرف كبيرة على غير المعتاد. فبالنسبة للعملات الرئيسية، سجل الدولار ارتفاعا كبيرا بينما كان الانخفاض كبيرا أيضا في سعر صرف اليورو والين. ومن الواضح أن هذه التحركات تعكس فروقا في السياسة النقدية، حيث يتوقع أن تتخلى الولايات المتحدة عن النطاق الأدنى الصفري هذا العام، بينما لا تنطبق هذه الاحتمالات على حالة منطقة اليورو أو اليابان. وسيكون انخفاض سعر اليورو والين عاملا مساعدا لأن منطقة اليورو واليابان كانتا معرضتين لخطر الدخول في انتكاسة جديدة. وتتيح السياسة المطبقة في الولايات المتحدة حيزا ما لموازنة الآثار السلبية لارتفاع سعر الدولار. وعلى ذلك، يجب النظر إلى هذا التعديل في أسعار الصرف باعتباره خبرا سارا، في محصلته الصافية، بالنسبة للاقتصاد العالمي.

ولننظر الآن إلى كل هذه العوامل جنبا إلى جنب. فبعض البلدان مثقل بتركة الأزمة السلبية دون البعض الآخر. وبعض البلدان مثقل بانخفاض النمو الممكن دون البعض الآخر. وبعض البلدان مستفيد من انخفاض أسعار النفط والبعض الآخر خاسر. وبعض البلدان تتحرك عملته مع الدولار والبعض الآخر مع اليورو والين. أضف إلى ذلك بضع تطورات ينفرد بها البعض، كالمشكلة الاقتصادية في روسيا أو الضعف في البرازيل. وفي المحصلة الصافية، كما أشرت، تشير تنبؤاتنا الأساسية إلى زيادة النمو في الاقتصادات المتقدمة، وانخفاضه في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية. ولكن هذه الأرقام الإجمالية لا توضح بالكامل مدى تنوع التطورات المؤدية إليها.

وكما هو الحال دائما، توجد مخاطر محيطة بهذه التنبؤات. ونرى أن هناك تراجعا طفيفا في المخاطر الاقتصادية الكلية. فقد انخفض أكبر خطر شهده العام الماضي - وهو خطر الركود في منطقة اليورو – كما تراجعت مخاطر الانكماش. لكن المخاطر المالية والجغرافية-السياسية ارتفعت. وتؤدي التحركات الكبيرة في الأسعار النسبية، سواء كانت أسعار الصرف أو سعر النفط، إلى خسارة أطراف وفوز أخرى. وتواجه شركات الطاقة والبلدان المنتجة للنفط ظروفا أصعب ومخاطر أعلى. وإذا استمرت تحركات أسعار الصرف الكبيرة الحالية، يمكن أن تنشئ مزيدا من المخاطر المالية وتشعل التوترات الدولية. ولا يمكن استبعاد حدوث أزمة يونانية، وهي حدث قد يُحْدِث اضطرابات في الأسواق المالية. ولا تزال الاضطرابات مستمرة في أوكرانيا والشرق الأوسط، وإن لم يكن لها انعكاسات اقتصادية نظامية حتى الآن.

وختاما ننتقل إلى التوصيات المتعلقة بالسياسات. فبالنظر إلى تنوع الحالات المختلفة، يتضح أن المشورة بشأن السياسات يجب أن تصمم وفق حالة كل بلد على حدة. ومع ذلك، تظل بعض المبادئ العامة قائمة. ولا يزال من الضروري اتخاذ تدابير للحفاظ على النمو سواء على المدى القصير أو الأطول. ومع استحداث التيسير الكمي في منطقة اليورو، تكون السياسة النقدية في الاقتصادات المتقدمة قد أنجزت نسبة كبيرة مما تستطيع تحقيقه. وعلى جانب المالية العامة، أتاح انخفاض سعر النفط فرصة لتخفيض دعم الطاقة وإبداله ببرامج أكثر دقة في استهداف المستحقين. ولا تزال مبررات زيادة الاستثمار في البنية التحتية قائمة دون تغيير عما ورد في العدد السابق من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي. ورغم أن الإصلاحات الهيكلية لا تصنع المعجزات، فإن بإمكانها رفع مستوى الناتج وزيادة النمو لبعض الوقت. وتختلف قائمة الإصلاحات الملائمة باختلاف البلدان. ونظرا للتكاليف السياسية المصاحبة لكثير من هذه الإصلاحات على المدى القصير، يظل الاختيار الدقيق فيما بينها وتنفيذ المختار منها تحديا قائما.