Carolina Castellanosبقلم: كارولينا كاستيلانوس

بلغات أخرى (English)

في ظهيرة الأول من يناير 2014، كنت على الهاتف مع أحد نظرائنا في الحكومة الصومالية. وكان موضوع حديثنا هو مجلس الوزراء الصومالي المُشَكَّل حديثا والذي زاد فيه عدد الوزراء من 10 إلى 25 وزيرا. وفجأة، سمعت في الخلفية صوت انفجارات مدوية.

انتبه مُحَدِّثي وإن لم يبد عليه الخوف، وأوضح أن سبب الضجيج هو إطلاق النيران خارج المبنى الموجود فيه. وبينما كنا نتبادل تحيات سريعة لإنهاء المكالمة، أشار مازحا إلى ثقوب الرصاص الجديدة التي ستضيفها المكاتب المختلفة إلى مجموعاتها التذكارية.

Somalia Map - BBC 2014

وبالنسبة لي، كانت هذه المحادثة الهاتفية الوجيزة بمثابة تلخيص لجوهر الواقع الصومالي: موقف سياسي وأمني متقلب، ومجتمع دولي دخل في الصورة منذ وقت قصير، وشعب قادر على التكيف إلى أبعد الحدود.

ورغم هذه الظروف المحفوفة بالتحديات، فقد تمكن الصومال من تحقيق تقدم كبير منذ استئناف العلاقات مع الصندوق في إبريل 2013. غير أن استمرار النمو والتنمية سيتطلب استمرار الدعم الدولي وبناء القدرات. وفي نهاية المطاف، سيكون نجاح الاقتصاد الصومالي مرهونا بقوة الشعب.

المأزق السياسي

انهارت الحكومة الصومالية في عام 1991 حين تحالفت مجموعات من الميليشيات المسلحة وأطاحت بنظام الرئيس سياد بري. وأعقبت ذلك حرب أهلية مزقت البلاد إلى عدة مناطق مستقلة (انظر الخريطة) لكل منها حكومتها وجيشها الخاص، بل وعملتها الخاصة في بعض الحالات.

وفي عام 2012، تم انتخاب برلمان ورئيس للبلاد واعترف المجتمع الدولي رسميا بالحكومة الجديدة.

ورغم وحدة الثقافة والأصل العرقي والنظام القبلي، فإن الصومال تسعى جاهدة لتحقيق الوحدة الوطنية. ولا تزال الحكومة الفيدرالية تعمل على تشكيل مؤسساتها بينما تكافح لفرض السيطرة على أراضي البلاد. ولا تزال معظم المناطق الصومالية تحت إدارة حكومات إقليمية مستقلة أو تحت سيطرة مجموعات مسلحة.

في خضم الاضطرابات تلوح فرصة نادرة

يتحمل الصومال أوضاعا أمنية واجتماعية واقتصادية من أسوأ الأوضاع على مستوى العالم (انظر الجدول). فالاقتصاد تغلب عليه الدولرة، وهو ما يرجع جزئيا إلى عدم وجود بنك مركزي، وإن كان يرجع أيضا إلى التحويلات الكبيرة التي يرسلها الصوماليون العاملون في الخارج.

Somalia Chart

وتبلغ نسبة العملة المزيفة 80% تقريبا من مجموع وحدات الشلن الصومالي المتداولة بينما أصبحت الأوراق النقدية الحقيقية في حالة مادية متدهورة.

ولكن، من قلب الاضطرابات تلوح فرصة نادرة لبناء الدولة من الصفر تقريبا. ففي هذه الظروف العصيبة، تبرز قدرة الصومال على التكيف بفضل ديناميكية القطاع الخاص المحلي وازدهار عدد كبير من المشروعات التي يملكها صوماليون مغتربون.

ويعتبر القطاع المالي الصومالي مثالا جيدا في هذا الصدد. فالمؤسسات المالية القائمة غير رسمية وقد بدأت كشركات حوالة (أو شركات لتحويل الأموال) ثم تطورت بحكم الواقع لتصبح هي النظام المصرفي في الصومال. وتؤدي شركات الحوالة دورا اجتماعيا حيويا بسبب وصول فروعها إلى أفقر الشرائح السكانية وأبعد المناطق الجغرافية في البلاد. ويُجري بعض شركات الحوالة الكبرى مناقشات مع البنك المركزي الصومالي الجديد للحصول على تراخيص مصرفية رسمية.

وقد نما الاقتصاد الصومالي بمعدل 5.5% تقريبا في عام 2014 بالقيمة الاسمية (حيث يصعب تقدير النمو بالقيمة الحقيقية نظرا لعدم توافر بيانات عن الأسعار). وكانت الصناعات الرائدة في هذا الخصوص هي الزراعة والحراجة وصيد الأسماك والبناء، حيث تشير توقعات عام 2015 إلى ارتفاع النمو إلى 6%. ومن ناحية أخرى، زاد الاستهلاك بواقع 4.5%، مدفوعا بالنمو السكاني وعودة المغتربين.

دور الصندوق والمجتمع الدولي

ورغم الترحيب بعودة الصومال كعضو عامل في صندوق النقد الدولي، فقد تعطلت جهود صنع السياسات والمساعدة الفنية المستمرة بسبب العوامل السياسية المعقدة الناجمة عن النظام القبلي وكثرة التغييرات في الحكومة الصومالية.

والصومال متأخر في سداد مدفوعات للصندوق وعدد من الجهات المانحة الثنائية ومتعددة الأطراف، ومن ثم يظل غير مؤهل للحصول على مساعدات مالية من الصندوق إلى أن تتم تسوية المتأخرات الصومالية المستحقة له. وسيتطلب هذا تسوية الديون الخارجية، والحصول على تمويل لتخفيف أعباء الديون، وإرساء سجل جيد في التعاون مع الصندوق بما يساعد على التأهل للاقتراض منه.

ولإنجاز هذه المهمة، شرع الصومال في حوار مثمر مع المجتمع الدولي والصندوق. وواصل الصندوق تقديم مساعداته الفنية في المجالات المتعلقة بإصلاح نظام الصرف، والعمليات المصرفية، وأعمال البنك المركزي، والرقابة على القطاع المالي، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وسياسة المالية العامة، وإحصاءات الاقتصاد الكلي.

وقد نجح الصومال بالفعل في تحقيق عدد من الأهداف الأساسية المهمة، بما في ذلك إعداد أول موازنة وطنية، ووضع تقديرات أولية لإجمالي الناتج المحلي والقطاع الخارجي، وإعداد الكشوف المالية للبنك المركزي.

وبدعم من الجهات المانحة الدولية، أطلق صندوق النقد الدولي الصندوق الاستئماني متعدد المانحين المعني ببناء القدرات والذي يستمر لفترة ثلاث سنوات، كما أنشأ مكتبا للممثل المقيم مقره العاصمة الكينية نيروبي في ديسمبر 2014.

وحقق الصومال تقدما جيدا منذ استئناف العلاقات مع صندوق النقد الدولي. وتعمل الحكومة الصومالية بوتيرة سريعة لإصلاح أهم المؤسسات الاقتصادية. ولا شك أن استمرار النمو والتنمية سيتطلب مواصلة الدعم الدولي وبناء القدرات، ولكن نجاح الصومال سيتوقف في النهاية على قوة شعبه، وهي صفة لا يفتقر إليها الشعب بأي حال.