Chris Jarvisبقلم كريس جارفيس

بلغات أخرى (English)

تواجه مصر حالياً ما قد يبدو أنه أهداف اقتصادية متعارضة. فمن ناحية، هناك حاجة ماسة لاستعادة الاستقرار الاقتصادي – بتخفيض عجز الموازنة والدين العام والتضخم، وتكوين قدر كافٍ من احتياطيات النقد الأجنبي. وفي نفس الوقت، لا تزال الحاجة إلى تحسين مستويات المعيشة قائمة منذ وقت طويل – عن طريق زيادة فرص العمل، وتخفيض معدلات الفقر، وتحسين النظامين الصحي والتعليمي - وهي من أهم الأسباب التي نزل من أجلها المصريون إلى الشوارع في عام 2011.

وقد يظن البعض أن الهدفين لا يجتمعان – أي أن الإجراءات اللازمة لتخفيض عجز الموازنة والحسابات الخارجية ستؤثر بالضرورة على الوظائف والنمو. ولكن هذا الاعتقاد غير صحيح. فهناك سياسات تؤدي إلى تحسين موقف مصر المالي لكنها يمكن أن تساعد فى ذات الوقت على رفع مستويات المعيشة.

بداية صعبة

كانت الدعوة إلى مزيد من العدالة في إتاحة الفرص الاقتصادية، وخاصة فرص العمل، من أهم أسباب ثورة يناير 2011. غير أن سنوات التحول السياسي الأربع الماضية أثرت على الاقتصاد. ونتيجة لذلك، تُرِكَت المشكلات الاقتصادية المزمنة دون علاج وأصبحت المشكلات الجديدة أكثر حدة.

فقد ارتفع عجز المالية العامة الكلي من 9.8% من إجمالي الناتج المحلي في السنة المالية 2010/2011 إلى 13.8% في السنة المالية 2013/2014. ونتيجة لذلك، ارتفع دين الحكومة العامة – المحلي والخارجي – من 76.6% من إجمالي الناتج المحلي إلى 90.5% في نفس الفترة. وتشير بيانات السنة المالية 2013/2014 إلى عدم كفاية الاحتياطيات في البنك المركزي لتغطية ثلاثة أشهر من الواردات، بينما بلغ معدل التضخم المتوسط 10%.

أما النمو الاقتصادي، الذي بلغ 2.2% في 2013/2014، فقد ظل دون المستوى الكافي لتحسين المؤشرات الاجتماعية-الاقتصادية الأساسية. وبلغت البطالة الذروة بمعدل 13.4%، مع تركز أعلى مستوياتها في فئتي الشباب والمرأة. وزاد الفقر مسجلا 26.3% في العام الأسبق، مع وجود ما يقدر بنسبة 20% أخرى من السكان في مستوى قريب من خط الفقر.

وتجدر الإشارة إلى أن النمو المنخفض والبطالة المرتفعة والفقر في مصر تتزامن كلها مع جوانب ضعف تشوب هيكل الاقتصاد ويرجع معظمها إلى ما قبل عام 2011. وينبع ذلك في الأساس من عدم كفاءة نظم الدعم، والقواعد التنظيمية المرهقة التي تؤثر على مناخ الأعمال، ورأس المال البشري المنخفض، والبنية التحتية الضعيفة، والفرص المحدودة للحصول على التمويل، وضعف القدرة على المنافسة الخارجية.

ARA egypt

سياسات رفع النمو وتخفيض العجز: إصلاح الدعم ومرونة سعر الصرف

خلال السنة المالية 2013/2014، أنفقت مصر أكثر من 6% من إجمالي ناتجها المحلي على دعم الوقود – وهو ما يتجاوز حجم إنفاقها على الصحة أو التعليم. ومن المفارقات في هذا الخصوص أن دعم الوقود غالباً ما يفيد الشرائح السكانية الغنية – كأصحاب السيارات كثيفة الاستهلاك للوقود – أكثر مما يفيد الفقراء الذين يحتاجون إلى حماية اجتماعية أكبر ونظم صحية وتعليمية أفضل.

ويُلاحظ أيضاً أن دعم الوقود يعمل على تشجيع الصناعات الصناعات كثيفة الاستخدام لرأس المال، بينما تحتاج مصر إلى مزيد من الصناعات كثيفة العمالة من أجل تخفيض البطالة. وبالإضافة إلى ذلك، فهو يساهم في عجز المالية العامة الكبير وفي تزايد الدين العام، ومن ثم هشاشة الاقتصاد، مما يترك أقل القليل من الموارد للإنفاق على البنية التحتية.

ويمكن تغيير هذه التشوهات من خلال إصلاح الدعم، وهو جزء من مجموعة السياسات الاقتصادية التي بدأت السلطات المصرية تنفيذها بالفعل في الصيف الماضي. ومن خلال زيادة أسعار الوقود، ستتمكن الحكومة من تحقيق وفورات كبيرة، مما سيتيح المجال لزيادة التحويلات الموجهة للفئات محدودة الدخل، وزيادة الموارد اللازمة لتحسين مستويات معيشة الفقراء، إلى جانب الاستثمار في الطرق والمدارس والمستشفيات ومحطات الكهرباء. وهذا هو محور جدول أعمال السلطات التي بدأت بالفعل تصميم نظام للتحويلات النقدية المشروطة، بتمويل جزئي من الوفورات الناشئة عن إصلاح دعم الوقود.

ولن تكون ثمار زيادة الإنفاق على الصحة والتعليم والبنية التحتية مقصورة على الفقراء والأشد احتياجاً على المدى القصير، بل يمكن أن تمتد إلى رفع النمو الممكن على المدى الأطول، وهو ما تشير الأبحاث إلى أهميته الكبيرة في خلق فرص العمل وتحسين مستويات المعيشة.

وهناك سياسة اقتصادية أساسية أخرى تتمثل في مرونة سعر الصرف. فوجود سعر صرف أكثر مرونة يمكن أن يعزز التنافسية، ويجذب الاستثمار الأجنبي والنشاط السياحي، ويدعم صادرات الصناعات الجديدة التي تستطيع بدورها خلق المزيد من فرص العمل ودعم النمو طويل الأجل، ومن ثم رفع مستويات المعيشة. وعلى هذه الخلفية، يعتبر تحرك سعر صرف الجنيه المصري مؤخراً في مقابل الدولار الأمريكي بمثابة خطوة في الاتجاه الصحيح.

الإصلاحات الهكيلية ضرورة ملحة

سيكون من المهم اتخاذ إجراءات هيكلية لتحسين مناخ الأعمال الذي يمكن أن يجعل مصر أكثر جذبا للمستثمرين. فعلى سبيل المثال، تشير دراسات البنك الدولي إلى أن الحصول على تصريح بالبناء يستغرق 218 يوما في مصر، في مقابل 29 يوما فقط في جمهورية كوريا. وسيكون من الضروري إلغاء اللوائح والروتين الحكومي اللذين يفتقران إلى الكفاءة، من أجل زيادة الاستثمار وتشجيع خلق فرص العمل. ومن شأن التقدم في هذا المجال أن يساعد أيضاً على إدخال القطاع الاقتصادي غير الرسمي تحت المظلة الرسمية، مع ما يحدثه ذلك من أثر إيجابي على البطالة ومستويات المعيشة بشكل عام. وقد وجدنا أن السلطات المصرية تدرك تماما أن الإصلاحات الهيكلية ضرورة ملحة، وهناك خطط جارية لإصدار قانون معدل للاستثمار، على سبيل المثال، وهو تحرك في الاتجاه الصحيح.

ومن أكبر التحديات أمام الحكومة بناء مؤسسات حديثة وشفافة لتشجيع المساءلة والحوكمة الرشيدة، وضمان تطبيق قواعد للعمل تقوم على العدالة والشفافية. وتؤدي العدالة في السياسة الاقتصادية إلى ضمان انتفاع كل أفراد المجتمع بمكاسب النمو، كما تكفل المساواة في إتاحة الوظائف وتوفير الفرص لمؤسسات الأعمال، بغض النظر عن كون الأطراف المعنية من ذوي الصلة بأصحاب النفوذ.

وبالإضافة إلى ذلك، هناك خطوات يستطيع صناع السياسات اتخاذها لتحسين كفاءة النظام المالي. فعلى سبيل المثال، تقتصر الحسابات المصرفية المفتوحة حاليا في مصر على 10% من مجموع السكان، ويمكن أن يستفيد الاقتصاد إلى حد كبير بتوسيع نطاق الخدمات المالية وزيادة الاتئمان المقدم للأعمال الصغيرة المُنشِئة لفرص العمل. وتحقق مصر تقدماً في هذا المجال أيضاً، مع اعتماد قانون ينظم أنشطة التمويل متناهي الصغر ومن شأنه المساعدة في تطوير القطاع المالي.

وأخيراً، يكتسب تحسين نظام التعليم في مصر أهمية قصوى لتحقيق التنمية طويلة الأجل. فمن غير الممكن خلق فرص العمل دون اصلاح نظام التعليم بما يكفل إعداد الخريجين لمتطلبات سوق العمل الحديثة. وإذا تمت عملية اعادة ترتيب أولويات الانفاق العام بكفاءة، بحيث يزداد التركيز على الصحة والتعليم حسب نص الدستور، يمكن المساعدة في تحقيق نمو أعلى وأكثر احتواءً لمختلف شرائح السكان على المدى الأطول، مع الحفاظ على استقرار أوضاع المالية العامة.

ومع تطبيق السياسات الصحيحة، ستتمكن الحكومة من تلبية آمال وتطلعات المواطنين المصريين. ويمكن أن تساعد المثابرة في تنفيذ المثابرة في تنفيذ الإصلاحات على استعادة الاستقرار الاقتصادي وإعطاء دفعة للوظائف والنمو. وسيظل الصندوق ملتزماً من جانبه بمساعدة مصر على تحقيق مستويات معيشية أفضل.