بقلم احتشام أحمد وعدنان مزارعي (بلغات أخرى English) تعددت جذور القلاقل الاجتماعية والسياسية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة. وكان للفوارق الجغرافية والمنازعات داخل البلد الواحد أهمية خاصة في تأجيج الصراعات، وخاصة في العراق وسوريا واليمن وليبيا، مما أسفر في الغالب عن تداعيات طالت البلدان المجاورة. ويعكس ذلك الشكاوى طويلة الأمد بشأن الحصول على الخدمات والوظائف والفرص الاقتصادية والتمويل، علاوة على ضعف الحوكمة. ومن ثم، ينبغي أن تكون معالجة جذور هذه المشكلات عنصراً محورياً في أي مجموعة من السياسات تستهدف إحلال السلم والرخاء في المنطقة. ولكن ما هي التدابير المتعلقة بالمؤسسات والحوكمة التي يمكن أن تساعد في معالجة الصراعات الدائرة في الشرق الأوسط؟ يعتبر تحسين الحوكمة وتوصيل الخدمات على المستوى المحلي عاملاً جوهرياً في معالجة شكاوى السكان عبر بلدان المنطقة. وفي هذا السياق، يمكن أن تكون لامركزية المالية العامة في الدول ذات النظم المركزية عاملاً مساعداً إذا ما توافرت شروط معنية. وتسعى هذه التدوينة تحديد بعض الاعتبارات الأساسية لتقييم هذا الخيار الممكن. الدوافع وراء تكوين هيكل فيدرالي المسوغ المعتاد لتفضيل هيكل فيدرالي للحكومة هو ضمان تقليل الفروق العرقية أو الدينية قدر الإمكان داخل كل إقليم وتحسين مستويات المعيشة تمشياً مع المعايير الوطنية. وينطوي هذا الهيكل أيضاً على توزيع متكافئ للموارد، وخاصة في البلدان الغنية بمواردها الطبيعية. وبالإضافة إلى ذلك، يستتبع هذا الهيكل سلامة التصرف في الإيرادات المحلية المستمدة من مصادر ذاتية لضمان مساءلة الساسة والمسؤولين على مستوى الحكومات المحلية، والكفاءة في توفير خدمات واستثمارات محددة بوضوح على مستوى الحكومات المحلية وحكومات الأقاليم. ويعني هذا أن المراقبة الدقيقة لمصادر الأموال واستخداماتها أمر مطلوب للحيلولة دون سرقتها. وكانت هذه المبادئ محور عملية "الحوار الوطني" في اليمن ولا تزال وثيقة الصلة في ظل النظام الجديد. وفي العراق، تم اقتراح أفكار مشابهة، بالإضافة إلى إدارة الموارد النفطية بكفاءة والتوزيع السليم لمسؤولية تحصيل الإيرادات الذاتية للأقاليم ووضع إطار لتجنب المزيد من عدم المساواة بين الأقاليم، لكنها لم تنفذ. وبغض النظر عن استقلالية حكومة إقليم كردستان واقعياً، فإن القيود التي تفرضها اعتبارات الاقتصاد السياسي تحول حتى الآن دون استحداث هيكل فيدرالي كفء وعادل، مما يبرز التفاوتات بين الأقاليم فيما يتصل بالدخل والدمج الاجتماعي. المساءلة ضرورية لامركزية المالية العامة ليست علاجاً سحرياً. فالهيكل الفيدرالي في حد ذاته لا يضمن التوزيع العادل للموارد ولا الحوكمة الرشيدة وتوصيل الخدمات المحلية بكفاءة. بل إن العكس صحيح؛ فالهيكل الفيدرالي الذي يتسم بسوء التصميم والتنفيذ يمكن أن يثير النزعات الانفصالية، حيث تزداد مظاهر عدم المساواة وتولِّد صراعاً على الموارد. فعلى سبيل المثال، تم تصميم التعديل الثامن عشر لدستور باكستان في عام 2009 بحيث يفوض سلطة الإنفاق إلى الأقاليم. غير أن توزيع مسؤولية تحصيل الإيرادات لم يخضع للإصلاح على التوازي. وأدى ذلك، مع تراجع نسبة الضريبة الكلية من إجمالي الناتج المحلي، إلى نشأة تكليفات دون تمويل فيدرالي تعوق أي تحسن في الخدمات أو الحوكمة على مستوى الحكومات المحلية. وتشكل السياسات والمؤسسات وآليات تسوية المنازعات عوامل مهمة في منع عدم المساواة والصراع. وتعتمد مساءلة المحليات في الدول ذات النظم الوحدوية المركزية على العوامل التالية:
  • معلومات حديثة ودقيقة عمن يقوم بالإنفاق وما ينفقه في منطقة الاختصاص دون المركزية مقارنة بغيره في الإقليم أو البلد ككل.
  • إيرادات ذاتية حدية لكي يكون الناخبون على دراية بالبدائل التي يتم الاختيار منها نيابة عنهم.
  • عملية انتخابية تعاقب المسؤولين غير الأكفاء أو الفاسدين على ضعف الأداء أو السرقة.
وإذا كان النظام الانتخابي لا يعمل والمسؤولون يعينون من المركز ويقتصر دورهم على تنفيذ الأوامر الصادرة من مختلف الوزارات التنفيذية، فإن وظائف العملية الانتخابية المسوغة للامركزية لا تنطبق. وفي هذه الظروف، قد يكون تطبيق اللامركزية على الموارد مفضياً إلى نتائج عكسية. السياق عامل مؤثر تجدر الإشارة هنا إلى دور الفيدرالية واللامركزية كآلية لمنع الصراعات والتعامل معها. وهناك بالفعل حجج نظرية تؤيد هذا الدور. غير أن التحدي الذي يعترض هذا التوجه هو أن ضمان عمل النظام الجديد يتطلب الأخذ بمجموعة تدابير المالية العامة الكاملة، وهو ما يؤدي في الغالب إلى خيارات قد لا يتقبلها أصحاب المصالح المكتسبة ذوي النفوذ. وعلاوة على ذلك، إذا كانت مؤسسات المالية العامة وتدفق المعلومات يتسمان بالضعف أو يفتحان باب التلاعب، فقد تتسبب الهياكل اللامركزية أو الفيدرالية في تفاقم الأمور، مما يصعد الصراعات ويزيد من عدم المساواة ويعزز نزعات الانفصال عن المركز. وبالتالي، فإن أي اقتراحات بخصوص زيادة اللامركزية فى بلد ما يجب أن يُراعَى فيها نموذج الحوكمة الخاص بهذا البلد بالإضافة إلى حالة مؤسساته. أما العمل على تطبيق نموذج فيدرالي نظري على بلد في الشرق الأوسط دون التفكير في السياق، فهى وصفة قد تؤدى إلى كارثة. ويفرض هذا تحدياً صعباً على الهيئات الثنائية ومتعددة الأطراف من حيث تقديم النوع الصحيح من المشورة المخصصة لسياق بلد بعينه في نقطة زمنية محددة.