مسعود أحمد بقلم مسعود أحمد

(بلغات أخرى English)

أدى الهبوط الحاد في أسعار النفط العالمية، بنسبة 55% مقارنة بسبتمبر الماضي، إلى تغيير ديناميكية الاقتصاد في البلدان المصدرة للنفط في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ويوضح تقرير الصندوق الصادر بالأمس حول مستجدات آفاق الاقتصاد الإقليمي أن هذه البلدان تواجه الآن خسائر كبيرة سواء في حصيلة الصادرات أو الايرادات الحكومية، حيث يُتوقع أن تصل إلى نحو 300 مليار دولار أمريكي (21% من إجمالي الناتج المحلي) في مجلس التعاون الخليجي ونحو 90 مليار دولار (10% من إجمالي الناتج المحلي) في البلدان النفطية غير الأعضاء في المجلس.

وليس من المؤكد، بالطبع، أين ستستقر الأسعار في نهاية المطاف، مما يجعل مهمة صناع السياسات صعبة في قياس نسبة الأضرار المؤقتة والنسبة التي يُتوقع أن تستمر.

وعلى المدى القصير، يستطيع معظم البلدان المصدرة للنفط السحب من احتياطياتها المالية المتراكمة ومن ثم تخفيف أثر انخفاض أسعار النفط على النشاط الاقتصادي والنمو. غير أن زيادة قيود المالية العامة المتوقعة في السنوات القليلة القادمة ستتطلب من البلدان المصدرة للنفط أن توفق أوضاعها بالتدريج لتتلاءم مع الواقع الجديد. وعلى سبيل التحديد، ينبغي لهذه البلدان أن تُعَدِّل إنفاقها بالتدريج وأن تدفع جهود الإصلاح في مجال دعم الطاقة. ويعني هذا أن نماذج النمو المطبقة في العقد الماضي، والتي كانت ترتكز على الإنفاق الحكومي المتزايد، قد لا تكون مناسبة بعد الآن. وبدلاً من ذلك، سيتعين إكساب القطاع الخاص درجة أعلى من الاكتفاء الذاتي ليصبح قاطرة للنمو وفرص العمل.

ARA MCD REO

واقع جديد

من المتوقع أن يتسبب انخفاض أسعار النفط في تراجع أوضاع المالية العامة إلى حد كبير عبر بلدان المنطقة، وإن تفاوتت الدرجات. فباستثناء الكويت، يُتوقع أن تسجل المالية العامة عجزاً في كل البلدان في عام 2015 (انظر الرسم البياني). وتشير التوقعات الحالية إلى أن فائض المالية العامة في دول مجلس التعاون الخليجي (4.6% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2014) سيتحول إلى عجز بنسبة 6.3% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2015 – أي بانخفاض قدره 11% تقريباً من إجمالي الناتج المحلي.

ولحسن الحظ، تمتلك معظم البلدان المصدرة للنفط احتياطيات وقائية كبيرة في شكل أصول أجنبية. ويُتوقع لهذه البلدان عموما أن تحد من نمو إنفاقها الحكومي هذا العام، ولكن بصورة متأنية.

ونظرا لوتيرة التعديل المتأنية بوجه عام، نتوقع لهذه البلدان أن تتجنب التأثير السلبي الحاد على النمو. ومن المتوقع أن يصل النمو في بلدان المنطقة المصدرة للنفط إلى 3% هذا العام، وهو أعلى نسبياً من العام الماضي لكنه يظل أقل من المتوقع في أكتوبر الماضي بنحو نقطة مئوية واحدة.

ضرورة تغيير المسار

ستحتاج البلدان المصدرة للنفط في المنطقة إلى إعادة تقييم خططها الموضوعة للإنفاق على المدى المتوسط، ثم التكيف بالتدريج مع الواقع الجديد في سوق النفط العالمية إذا اتضح أن انخفاض أسعار النفط واقع مستمر. وسيتعين تحديد أولويات الإنفاق بصورة أفضل لضمان الكفاءة في تحقيق أهداف التنمية الاجتماعية والاقتصادية، كما ينبغي النظر في الخيارات المتاحة لزيادة الإيرادات غير النفطية.

ولا يزال تسعير الطاقة من القضايا المهمة. فالواقع المالي الجديد الذي يواجه معظم البلدان المصدرة للنفط يعزز الحاجة الماسة لاصلاح دعم منتجات الطاقة، والذي لا يزال قائماً رغم هبوط أسعار النفط العالمية. وقد بدأ عدد من البلدان فى المنطقة هذا الاصلاح بالفعل، وهو ما يعد بادرة مشجعة.

وبالنظر إلى المستقبل، يُرجح أن يظل الإنفاق الحكومي مقيداً لسنوات قادمة. ويعني هذا أن نموذج النمو الذي ساد في العقد الماضي وكان يرتكز على تزايد أسعار النفط والإنفاق الحكومي لن يكون صالحاً للتطبيق بعد الآن. وبدلاً من ذلك، ستحتاج البلدان إلى زيادة تنويع اقتصاداتها للحد من الاعتماد على الإيرادات النفطية وإعادة توجيه الحوافز نحو إنتاج السلع والخدمات بهدف التصدير.

وسيتطلب ذلك تكثيف الإصلاحات، وخاصة فيما يتصل بمناخ الأعمال، والحوكمة، والتعليم، والتكامل التجاري، لتمكين القطاع الخاص من الازدهار ولكي يصبح قاطرة للنمو تتمتع بدرجة أعلى من الاكتفاء الذاتي.

وبالمثل، سيكون من المهم في كثير من البلدان تمكين المواطنين من زيادة المشاركة في سوق العمل الخاص لتجنب الضغط على الحكومات لكي تضطلع بدور صاحب العمل الأول والأخير – وهو دور سيتبين للحكومات أن مواصلة أدائه أصعب بكثير في فترات انخفاض أسعار النفط.