(بلغات أخرى English)

تشير مجموعة متزايدة من البحوث التجريبية إلى تحقيق البلدان نجاحاً أكبر في خلق الاستثمارات والنمو وفرص العمل كلما كانت تدار بدرجة أعلى من الكفاءة. ويرجع ذلك إلى ما يتحقق آنذاك من تضييق المجال أمام فرص الفساد والممارسات غير الشفافة لأن الحكومات تتيح الاطلاع على قدر أكبر من المعلومات ومن ثم تصبح القواعد أكثر وضوحاً ويصبح واضعوها أكثر خضوعاً للمساءلة. وتساعد الشفافية على توضيح القواعد والأسس، وبالتالي فهي تمثل جانباً مهما من جوانب الحوكمة الرشيدة.

وفي مذكرة مرجعية تم إعدادها لمؤتمر إقليمي شارك في استضافته الصندوق مؤخراً، يستعرض الصندوق الأوضاع الراهنة في بلدان التحول العربي – مصر والأردن وليبيا والمغرب وتونس واليمن – من حيث التدابير المتعارف عليها للشفافية والحوكمة. وتحدد المذكرة أيضاً أهم مجالات الإصلاح التي قد تود حكومات هذه البلدان النظر فيها لدعم تحولها الاقتصادي.

أداء ضعيف في مجال الحوكمة

تشغل حكومات بلدان التحول العربي مراتب ضعيفة من حيث الحوكمة مقارنة ببقية أنحاء العالم. فطبقاً لمؤشرات الحوكمة العالمية التي يصدرها البنك الدولي، شهد العديد من بلدان التحول العربي تراجعاً بين عامي 2010 و 2012 في التصور السائد بشأن فعالية الحكومة – اتساع نطاق الخدمات العامة ودرجة جودتها، ومدى المهنية والاستقلالية التي تتسم بها الخدمة المدنية، ومدى جودة صياغة السياسات وتنفيذها، ومدى مصداقية التزام الحكومة بهذه السياسات (الشكل البياني 1).

يمثل ضعف الشفافية والحوكمة مصدراً للقلق فيما يتعلق بتوزيع الموارد. فالمعلومات تساعد الأفراد على متابعة الأحداث وتقييم الخيارات وإدارة المخاطر. وحيثما كان هناك تعتيم على المعلومات، زادت احتمالات توجيه الموارد إلى الاستخدام الخاطئ كما يمكن أن يستشري الفساد. وطبقا لمسوح الشركات التي يجريها البنك الدولي، يمثل الفساد مشكلة كبرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث تفيد معظم الشركات العاملة في المنطقة بأنها تعرضت لطلبات رشوة – بنسبة تفوق بكثير ما تشهده أي منطقة أخرى في العالم. وبالإضافة إلى ذلك، يشيع الرأي بأن المسؤولين يتسمون بالتحيز في تغيير القانون أو تطبيقه لصالح قلة من الشركات والعائلات والمؤسسات ذات النفوذ (البنك الدولي، 2009).

تعزيز الحوكمة والشفافية

تتوافر لصناع السياسات في بلدان التحول العربي فرصاً عديدة لتعزيز الشفافية وتشجيع الحوكمة الرشيدة – كما تتوافر للمجتمع المدني فرصة الدعوة لتحقيق ذلك – في القطاعين العام والخاص. وتنطوي الإجراءات في هذه المجالات على منافع اقتصادية واضحة من بينها:

1- تحسين فرص الوصول إلى معلومات الميزانية لتمكين الجمهور ومؤسسات التدقيق ووسائل الإعلام من مساءلة الحكومة عن استخدام الموارد العامة.

2- مبادرات الحكومة الإلكترونية لا تستغل بشكل كامل حالياً في المنطقة، ولكنها يمكن أن تزيد الشفافية وتحد من فرص الفساد وتخفض تكلفة الخدمات الحكومية وتقلل من جوانب عدم المساواة بين المناطق الجغرافية. ففي عام 2012 كان ترتيب بلدان التحول العربي 119 في المتوسط من بين 192 بلداً شملها مسح الحكومة الإلكترونية الذي أجرته الأمم المتحدة. ولا يبدو أن نقص الموارد هو السبب في هذه المرتبة المتأخرة – فهناك اقتصادات في مستويات دخل مماثلة تحتل مراتب أعلى في المؤشر (الشكل البياني 2).

3- زيادة الشفافية القانونية لإشراك كل الأطراف المعنية: تحتل بلدان التحول العربي المركز 84 في المتوسط من بين 148 بلداً يشملهم "مؤشر شفافية صنع السياسات" الذي يعده المنتدى الاقتصادي العالمي، كما تبدو نتائجها ضعيفة في قراءات "مؤشر انفتاح الحكومة" ضمن المؤشر العام لسيادة القانون الذي يصدره "مشروع العدالة العالمية".

4- تعزيز متطلبات الإفصاح للشركات وتقوية معايير تدقيق الحسابات وإعداد التقارير: تقوم الشركات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالإفصاح عن معلومات أقل مما يفصح عنه نظراؤها في بقية أنحاء العالم، مما يجعل من الصعب على المستثمرين التمييز بين الأفكار الواعدة وما دونها في مجال الأعمال. ويمكن أن تؤدي الشفافية الضعيفة في عمليات كل من المؤسسات والبنوك إلى ارتفاع عدد القروض المتعثرة. وبالإضافة إلى ذلك، لا يزال هناك مجال أمام بلدان التحول العربي لتقوية معايير التدقيق وإعداد التقارير. 

5- تحسين معلومات الائتمان لزيادة فرص الحصول على التمويل: دائماً ما يشار إلى ضعف معلومات الائتمان باعتباره من أهم الأسباب التي تدعو البنوك إلى التردد في الإقراض، وخاصة للشركات الصغيرة والمتوسطة – وهي أهم محرك لخلق فرص العمل. ويعتمد معظم بلدان التحول العربي على سجلات الائتمان العامة التقليدية، وحتى البلدان التي استحدثت مكاتب خاصة لمعلومات الائتمان لا تزال متأخرة عن المناطق الأخرى من حيث التغطية وجودة المعلومات.

6- إنفاذ القواعد على نحو متسق وواضح مسبقاً: تفيد الشركات العاملة في المنطقة بوجود عدم مساواة في المعاملة لصالح شركات بعينها. ويشكو المجيبين على مسوح المؤسسات التي يجريها البنك الدولي من عدم الاتساق وعدم الوضوح المسبق في تنفيذ القواعد واللوائح المعمول بها، مما يضر بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة على وجه الخصوص، حيث تعاني من هذه الممارسات في الغالب أكثر من مؤسسات الأعمال الأخرى. 

7- رفع كفاءة المحاكم: تعاني بعض بلدان التحول العربي من فترات التأخير الطويلة في إنفاذ العقود (الشكل البياني 3). ولا يؤدي ذلك إلى إضعاف سيادة القانون فحسب، بل إنه يتسبب في عواقب اقتصادية أيضاً. فعلى سبيل المثال، في الحالات التي يتأخر فيها إصدار الأحكام القضائية لمدة طويلة، تستغرق المنازعات التجارية وقضايا الإعسار وقتاً أطول لتسويتها، مما يتسبب في زيادة إهلاك الأصول المتنازع عليها.