(بلغات أخرى English)

الإصلاحات الداعمة للاستقرار والتطور المالييني من الممكن أن تؤدي  إلى مكاسب كبيرة للنظم المالية في بلدان التحول العربي – وهي مصر والأردن وليبيا والمغرب وتونس واليمن.

فكما هو الحال فى كثير من البلدان عبر منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تسيطر البنوك في بلدان التحول العربي على النظام المالي. ومن الملاحّظ أن المنافسة بين البنوك محدودة في حين أن ملكية الدولة فيها كبيرة في كثير من الحالات. ويتركز معظم الائتمان المصرفي في عدد قليل من كبار المقترضين وأصحاب النفوذ، كما تصل القروض المتعثرة إلى مستويات عالية في بعض البلدان. وبالإضافة إلى ذلك، لا يزال تطور القطاع المالي غير المصرفي قاصراً وفرص الحصول على التمويل محدودة للغاية بالنسبة لمعظم الأفراد والشركات.

وفي دراسة تحمل عنوان "نحو آفاق جديدة: التحول الاقتصادي العربي في غمار التحول السياسي"، يوضح الصندوق أهم عناصر إصلاحات السياسة الاقتصادية في بلدان التحول العربي. وتسلط هذه التدوينة الضوء على الإصلاحات اللازمة لإرساء دعائم الاستقرار والتطور في القطاع المالي.

المعوقات الهيكلية ...

بالنظر إلى حجم الوساطة المالية (مقيسة بالائتمان المقدم للقطاع الخاص كنسبة إلى إجمالي الناتج المحلي)، نجد أن بلدان التحول العربي، باستثناء ليبيا واليمن، تأتي فى مرتبة متقدمة بالمقارنة مع المناطق الأخرى من العالم .

ومع ذلك، يمثل ضعف فرص التمويل قيداً أساسياً أمام الشركات والأسر. فهناك 7% فقط من الشركات تستخدم البنوك لتمويل الاستثمار، وهي النسبة الأدنى بفارق كبير عن مناطق العالم الأخرى (الشكل البياني 1)، كما أن نسبة تتجاوز 30% من الشركات تعتبر ضعف فرص التمويل من أكبر المعوقات، وهي نسبة أعلى من كل المناطق الأخرى باستثناء إفريقيا جنوب الصحراء. ويقتصر استخدام الحسابات المصرفية على نسبة صغيرة من البالغين في بعض بلدان التحول العربي.

وقد أدت عوامل متنوعة إلى ضعف فرص الحصول على التمويل، ومنها ضعف البنية التحتية للقطاع المالى، وضعف المنافسة المصرفية، والإقراض لذوي الصلة، وعدم تطور القطاع المالي غير المصرفي.

وبالإضافة إلى ذلك، تعاني نظماً مصرفية عديدة في بلدان التحول العربي من ارتفاع نسبة القروض المتعثرة. ويمكن أن يؤدي ارتفاع هذه القروض إلى الحد من قدرة البنوك على تقديم قروض جديدة، مما يجعلها عائقاً أمام النمو الاقتصادي. وقد تسبب ضعف إدارة المخاطر في البنوك، مقترناً بضعف البنى التحتية المالية، في ارتفاع نسبة القروض المتعثرة مقارنة بالمناطق الأخرى. وفي بعض البلدان، جاء ذلك أيضاً نتيجة تاريخ طويل من الإقراض لذوي الصلة بين البنوك المملوكة للدولة والمؤسسات العامة. وقد ساهم في ذلك أيضاً تراجع النشاط الاقتصادي في سياق التحولات السياسية.

وبالإضافة إلى ذلك، يُلاحَظ أن البنية التحتية المالية ضعيفة في بلدان التحول العربي. فلا تزال هذه البلدان تعتمد على سجلات الائتمان العام التقليدية، وحتى البلدان التي استحدث مكاتب لائتمان القطاع الخاص لا تزال متأخرة عن ركب المناطق الأخرى في التغطية وجودة المعلومات. ويمكن أن تساعد مكاتب الائتمان البنوك في تخفيض خسائر الائتمان وزيادة فرص الحصول عليه.

كذلك فإن بلدان التحول العربي تعاني ضعفا كبيراً في حماية حقوق الدائنين. فالمنطقة تحتل المرتبة الأخيرة من حيث حقوق الدائنين، مقيسة بمؤشر الحقوق القانونية ضمن مؤشرات ممارسة أنشطة الأعمال الصادرة عن البنك الدولي (الشكل البياني 2). ومما يشوب نظم الإعسار افتقارها إلى آليات كفؤة للتعامل مع حالات الخروج من السوق وحماية الدائنين الحاصلين على ضمانات، ويمكن أن يؤدي إدخال تحسينات في هذا المجال إلى الحد من المخاطر التي يتعرض لها الدائنون وإزالة العقبات أمام تقديم القروض للمشروعات الصغيرة والمتوسطة والمستهلكين.

كذلك نجد المنافسة المصرفية أدنى من المشاهد في معظم مناطق الأسواق الصاعدة. فبلدان التحول العربي لديها أكبر تركز مصرفي في العالم (مقيساً بنسبة البنوك الثلاثة الكبرى إلى مجموع الأصول في كل بلد)، مما يتسبب في خنق المنافسة.

ولا تزال القطاعات المالية غير المصرفية غير متطورة في معظم بلدان التحول العربي. فالقطاع المالي غير المصرفي يتألف في الأساس من أسواق السندات الحكومية وحصص الملكية، مع وجود محدود لإصدارات سندات الشركات. ويُلاحَظ أن أسواق الأسهم في بعض بلدان التحول العربي كبيرة لكن حجم التداول فيها محدوداً. ومن شأن تشجيع الشركات على استخدام أسواق رأس المال لتمويل احتياجاتها أن يحرر طاقة الإقراض في البنوك ويمكن أن يصل بها إلى زيادة التركيز على إقراض المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

... تدعو إلى إصلاحات جريئة

وفي ضوء هذه الاتجاهات العامة والمعوقات الهيكلية، تحتاج بلدان التحول العربي إلى جدول أعمال جريء يضمن تطور القطاع المالي واستقراره. وتتباين نقاط البدء واحتياجات الإصلاح بين البلدان، لكن هناك مجموعة مشتركة من مجالات الإصلاح.

  • هناك احتياج واضح للتوسع في فرص الحصول على التمويل، وخاصة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، من أجل تمكين نشاط ريادة الأعمال وإعطاء دفعة للنمو المنشئ لفرص العمل. ومن الخطوات المهمة في هذا الصدد تقوية البنية التحتية المالية، مثل تحسين نظم معلومات الائتمان ونظم الضمان، وإصلاح نظم الإعسار. وسيكون من المهم أيضاً تعزيز المنافسة بين البنوك، لإمدادها بحوافز أفضل لزيادة الإقراض. ومما سيدعم الإشراك المالي استحداث تكنولوجيات جديدة مثل الصيرفة المتنقلة، وتحسين المعلومات المالية لدى المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وضمان حماية المستهلكين.
  • تحتاج البلدان أيضاً إلى إيجاد بدائل للتمويل المصرفي، الأمر الذي يدعم تنميتها الاقتصادية، كما يمكن أن يساعد في معالجة أهم الاختناقات في البلدان التي يؤدي فيها التمويل المصرفي للقطاع العام إلى الحد من توافر الائتمان للقطاع الخاص. ولتحقيق هذه الغاية، ينبغي أن تضع بلدان التحول العربي استراتيجيات لتحقيق ما يلي: (1) تعميق أسواق السندات المحلية وتشجيع الإصدارات الخاصة؛ (2) توسيع قاعدة المؤسسات الاستثمارية، بما في ذلك صناعتا معاشات التقاعد والتأمين؛ (3) إيجاد أدوات بديلة للتمويل المصرفي، مثل التأجير وشراء الديون، ورأس المال المخاطر وحصص الملكية الخاصة؛ (4) تشجيع الائتمان متناهي الصغر.
  • سيساهم تعزيز التمويل الإسلامي في إشراك شرائح أوسع من السكان في النظام المالي، ومن ثم المساعدة في بناء نموذج اقتصادي أكثر احتواءً للجميع. وتشهد البنوك الإسلامية تطوراً سريعاً في بعض البلدان من حيث تنوع الأدوات وتوزيعها وتطورها التشغيلي، من أجل تلبية متطلبات الشريعة الإسلامية ومواجهة تحديات المنافسة. ودعماً لقوة نمو السوق والوقاية من مخاطره المحتملة على الاستقرار المالي، يُنصَح صناع السياسات بوضع أطر تنظيمية ورقابية شاملة لمنتجات التمويل الإسلامي، كما يتعين وقاية السوق من التفتت في ظل وجود عدد كبير من الأدوات، نظرا لضعف سيولة هذه الأدوات وضيق قاعدة المستثمرين في معظم بلدان التحول العربي.
  • وأخيراً، ينبغي مواصلة إدخال تحسينات على النظم التي تحمي الاستقرار المالي، لتهيئة أوضاع اقتصادية مستقرة تساعد على النمو وخلق فرص العمل. وهناك أربعة مجالات أساسية تتيح لبلدان التحول العربي سن هذه التحسينات: التنظيم والرقابة الاحترازيين على المستوى الكلي، وشبكات الأمان الاجتماعي ونظم إدارة الأزمات، والتنظيم والرقابة الاحترازيين على المستوى الجزئي، وقواعد الحوكمة المؤسسية في القطاع المصرفي.

ويمكن أن يحقق الإصلاح الناجح منافع كبيرة. وتشير الدراسات التجريبية إلى أن زيادة فرص الحصول على التمويل يمكن أن ترفع معدل نمو إجمالي الناتج المحلي للفرد. كذلك يمكن أن يؤدي التطور والاستقرار الماليين إلى الحد من عدم المساواة والفقر، علماً بأن المكاسب الممكنة في هذين المجالين أكبر بكثير في حالة بلدان التحول العربي مقارنة بمناطق العالم الأخرى.