بقلم ياسر عبدي و كارولين غيغينات

(بلغات أخرى English)

تؤثر الصراعات في المقام الأول على من هم في قلب الصراع داخل بلد ما، لكن التأثير غالباً ما يمتد إلى بلدان الجوار.

وفي سبتمبر 2013، أشارت تقديرات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة إلى أن العدد الكلي للنازحين من سوريا نتيجة تصاعد الصراع الداخلي بلغ 2.1 مليون نسمة – أي واحد من كل عشرة سوريين. وهناك أربعة بلدان أساسية استقبلتا هذا التدفق من اللاجئين – وهي لبنان والأردن وتركيا والعراق. غير أن لبنان والأردن استقبلت العدد الأكبر من اللاجئين نسبة إلى تعداد سكان كل منها. وقد حدثت طفرة في تعداد السكان بسبب هذا الصراع بلغت 19% في لبنان و 8% في الأردن.

ومن الواضح أن للصراع وتدفق اللاجئين أثراً اجتماعياً واقتصادياً على البلدان المجاورة. ورغم أن القياس الكمي لهذا الأثر ليس بالمهمة السهلة، نظراً للموقف المعقد ونقص البيانات، فقد أصدر الصندوق دراسة جديدة تسعى لقياس الانعكاسات الاقتصادية الكلية للصراع على الجارة الأردن.

تكلفة اقتصادية ضخمة

خلصت الدراسة إلى وجود أثر سلبي للصراع السورى على مجمل النشاط الاقتصادي في الأردن، يتمثل معظمه في انقطاع مسارات التصدير السورية بالإضافة إلى التردد الذي أصاب مزاج المستثمرين. وتجدر الإشارة إلى نتائج الدراسة التالية على وجه الخصوص:

  • بدون الصراع، كان يمكن أن يبلغ معدل النمو السنوي 4% بدلاً من 3% في عام 2013. وقد يبدو للبعض أن هذه الانخفاض فى معدل النمو البالغ نقطة مئوية واحدة أمراً هيناً، لكن الأمر ليس كذلك خاصة إذا ما علمنا أن هذا الانخفاض فى معدل النمو يعني خسارة تراكمية في الدخل تكاد تعادل المنح التي حصلت عليها الأردن لدعم الميزانية في العام الماضي.
  • كان السبب الرئيسي لارتفاع التضخم هو ارتفاع أسعار الإيجارات نظراً لبحث العائلات السورية عن مساكن في الأردن (إذ أن مخيم الزعتري الواقع على الحدود مع سوريا يستضيف فقط ربع مجموع اللاجئين). وبدون الصراع، كان يمكن أن ترتفع الإيجارات في العام الماضي بنسبة 2.7% فقط وليس 7.7% كما حدث بالفعل.
  • من المرجح أن القطاع غير الرسمي نما في الأردن لأن اللاجئين السوريين، الذين يحظر عليهم القانون العمل في الأردن، يبحثون عن فرص عمل في سوق العمل غير الرسمية بشكل أساسي. وكان لهذه الزيادة في الأنشطة غير الرسمية نتائج سلبية على الاقتصاد الأردني، أهمها مزاحمة العمالة الأردنية (حيث يغلب على اللاجئين السوريين قبول أجور منخفضة) وخسارة الإيرادات الضريبية التي كان يمكن للحكومة أن تحصلها لو أن نفس النشاط كان يتم في القطاع الرسمي. وهناك أيضاً تكلفة اللاجئين السوريين أنفسهم لأنهم يتنازلون عن كل أشكال الحماية التي تقترن بالعمالة الرسمية.
  • كان للأزمة تكلفة أيضاً على الميزان التجاري الأردني. فقد زادت الواردات لتلبية الاحتياجات المصاحبة لزيادة السكان – فارتفعت الواردات غير الطاقة بأكثر من 11% في عام 2013. وفي نفس الوقت، انخفضت الصادرات بسبب فقدان مسار رئيسي للصادرات عن طريق سوريا إلى أوروبا وبلدان المنطقة الأخرى. وبالفعل، هبطت الصادرات المجمعة إلى لبنان وتركيا وأوروبا بنسبة 30% في عام 2013. لكن ما خفف التأثير على الحساب الجاري هو الإغاثة المقدمة من وكالات المعونة والتحويلات من الأفراد لدعم اللاجئين.

تصاعد الإنفاق وتراجع جودة الخدمات

حاولت مؤخراً دراسة أعدتها وكالة التنمية الدولية التابعة للولايات المتحدة حساب تأثير الصراع السوري على المالية العامة في الأردن. وتشير تقديرات الدراسة إلى أن إنفاق الحكومة الأردنية قد زاد بحوالي 1% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2013 وعام 2014 لتلبية الاحتياجات الإنسانية للاجئين السوريين – بما في ذلك توفير المياه والكهرباء والأمن والرعاية الصحية والخدمات التعليمية.

كذلك أدت الزيادة السريعة في عدد المستفيدين من هذه الخدمات العامة إلى تدهور جودتها (كزيادة أعداد الطلاب في الفصول الدراسية وازدحام المستشفيات والضغوط على شبكات المياه، على سبيل المثال).

وتقدر الدراسة أن إعادة جودة الخدمات العامة إلى مستوياتها السابقة على الأزمة كان يمكن أن تؤدي إلى إنفاق إضافي من المالية العامة قدره 0.6% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2013 و 1% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2014 – وهي ليست تكاليف استثمارية، وإنما مصروفات لازمة لضمان عدم سوء الأحوال بالنسبة للأردنيين مقارنة بالوضع السابق على تدفق اللاجئين.

دور المجتمع الدولي

كان البرنامج الاقتصادي الأردني الذي يدعمه صندوق النقد الدولى برنامجاً مرناً حيث سمح بأن تتحمل الميزانية تكاليف استضافة اللاجئين. لكن الأردن وحدها لا تستطيع تحمل العبء المترتب على أزمة اللاجئين السوريين. ورغم اضطلاع الحكومة الأردنية والمجتمعات المحلية المضيفة – بالتعاون مع وكالات الأمم المتحدة وغيرها من منظمات الإغاثة – بتوفير المأوى للاجئين والحيلولة دون تدهور الموقف السيئ بالفعل، فهي في حاجة ماسة لمزيد من المساعدة في هذا الخصوص.

وفي هذا الصدد، ينبغي أن يزيد المجتمع الدولي ما يقدمه من دعم، بما في ذلك تقديم منح إضافية للحكومة المركزية، لضمان توفير الرعاية الكافية للاجئين واستعادة جودة الخدمات العامة في الأردن إلى مستويات ما قبل الأزمة.

وفي نفس الوقت، تحتاج الأردن إلى الحفاظ على زخم إصلاحات القطاع العام الرامية إلى تخفيض نسبة الدين العام، مع المضي في تنفيذ جدول أعمال الإصلاحات الهيكلية لزيادة النمو وفرص العمل. ومن شأن هذا أن يؤدي إلى بث الثقة وتخفيف مخاطر انتقال المزيد من التداعيات اذا طال أمد الحرب الأهلية والأزمة الإنسانية في سوريا.