بقلم أنطونيو بورهيس

— يصعب الصمود على الطريق في خضم العاصفة، لكن صناع السياسات الأوروبيين ينبغي أن يفعلوا ذلك إذا كانوا يشدون النجاح للتكامل الأوروبي. فأزمة الديون السيادية تمثل تحديا خطيرا يتطلب من كل الأطراف جهدا كبيرا ومنسقا حتى نتمكن جميعا من تجاوز هذا المنعطف.

ولن تكون النجاة من العاصفة أمرا ذي بال لو أن منطقة اليورو وجدت نفسها حبيسة شتاء دائم من النمو المنخفض. فقد تكون سرعة التوسع الاقتصادي في ألمانيا* قياسية في الوقت الراهن، لكن معدل نموها كان أبطأ من ذلك بكثير منذ وقت غير بعيد ـ حيث لم يتجاوز 1,5% سنويا بين عامي 1995 و 2007. وفي المقابل، سجلت السويد نموا بمعدل 3% سنويا والولايات المتحدة بمعدل 2% سنويا خلال نفس الفترة.

ويخشى كثير من الخبراء أن يؤدي غياب الإصلاحات في ألمانيا إلى هبوط النمو بأقل من ذلك في فترة الخمس إلى العشر سنوات القادمة وما بعدها حين تتباطأ التجارة العالمية من جديد. والموقف أسوأ في البلدان التي تجد نفسها الآن في بؤرة العاصفة.

ويمثل النمو المرتفع ـ الذي يعتمد على الصادرات القوية والطلب المحلي المرتفع ـ إحدى الضرورات للحفاظ على استقرار وصلابة الاتحاد الاقتصادي والنقدي في المنطقة.

إصلاحات تعميق الحوكمة الاقتصادية

الطريق نحو نمو أعلى يقود إلى تغيير هيكلي وتكامل اقتصادي أعمق، وكلها أمور سهلة القول صعبة التنفيذ بطبيعة الحال.

فإصلاح نظام الحوكمة من أجل تعميق التكامل يمكن أن يكون مهمة مضنية. ولكن نظرا لتكرار مشكلات الديون السيادية، يتعين تحسين الانضباط المالي من منطلق جماعي، وهو ما يتطلب الخطوات التالية:

  • تعزيز "معاهدة الاستقرار والنمو"
  • إعطاء مؤسسات المالية العامة الوطنية دور أكبر في صنع القرار
  • استكمال الإطار المستحدث مؤخرا للاستقرار المالي الأوروبي

وستؤدي تقوية الحوكمة الاقتصادية إلى دعم الثقة في منطقة اليورو والعمل على تهدئة الأسواق المتقلبة التي تهدد بهروب الاستثمارات وانخفاض النمو.

كيفية رفع النمو

لكن هناك مصدرا للقلق أكبر من ذلك، وهو احتمال ألا تتمكن منطقة اليورو من رفع معدلات النمو. فتحقيق نمو أعلى هو مطلب حيوي، ليس لأن من شأنه المساهمة في تقوية الاتحاد النقدي فقط، بل لأنه ينطوي على إمكانات كبيرة تبشر بمزيد من التحسن أيضا. ويشير العمل البحثي الذي تم في سياق رقابة الصندوق المنتظمة على اقتصادات منطقة اليورو* إلى أن الإصلاحات الصحيحة يمكن أن ترفع النمو السنوي بمقدار يتراوح بين 0,5 و 1,25 نقطة مئوية تبعا لحالة كل بلد في البداية ـ وهو إنجاز لا يستهان به.

والمفتاح لهذا الإنجاز هو زيادة إنتاجية العمل ورأس المال عن طريق التقدم التكنولوجي، معززا بإلغاء القيود والاستثمار في مهارات القوى العاملة. وغالبا ما يكون النمو أعلى حيثما كان تكامل الأسواق أعمق، مما يعكس بدوره الأثر الإيجابي الذي تتركه المنافسة على الاستثمار والابتكار.

كيفية رفع النمو

1/ توضح المحاكاة نطاق الإصلاح بافتراض أن كل بلد قام بتعديل قواعده التنظيمية ورأسماله في مجال المعلومات والاتصالات ومستويات المهارة المتوافرة لديه، حتى يقطع نصف المسافة التي تبعده عن أفضل الممارسات في النموذج. وتطبق على جميع البلدان في هذه المحاكاة زيادة في مستوى الانفتاح بنسبة 10 نقط مئوية. وللاطلاع على التفاصيل، راجع القسم الخامس من تقرير القضايا المختارة المعني بسياسات منطقة اليورو الصادر في 2011 (Euro Area Policies, Selected Issues, July 2011).

اغتنام اللحظة

كل ما تقدم يفيد بأن ارتفاع النمو لا يمكن أن يتحقق ما لم يرتبط بإصلاحات محددة بدقة، منها الجهود الوطنية لزيادة المرونة في أسواق المنتجات والخدمات واستكمال العمل نحو سوق أوروبية موحدة. وتكتسب سهولة انتقال حصص الملكية أهمية خاصة، وذلك لأسباب ليس أقلها ما يتعلق بالقطاع المالي حيث سبق أن أدت الرغبة في حماية "أبطال الوطن" إلى الحد من عمليات شراء الحصص عبر الحدود. وسيكون الحل هو اغتنام الفرص المتاحة في وقت لا تزال فيه مشاهد الأزمة عالقة في الأذهان.

وقد واجهت أوروبا موجات من الظروف الجوية القاسية في السابق. وكما علق* جون ليبسكي النائب الأول لمدير عام الصندوق مؤخرا، إن قصة التكامل الأوروبي منذ الحرب العالمية الثانية هي قصة نجاح رائعة ـ وذلك لأسباب ليس أقلها أن القادة الذين بنوا الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو مدوا أبصارهم إلى ما بعد أزمات ذلك الزمان.

وإذا أراد صناع سياسات اليوم أن يواصلوا المسيرة بنجاح، فعليهم المضي في إجراء التغييرات الهيكلية اللازمة وتعميق التكامل الاقتصادي. وهناك الكثير من المبادرات الجارية التي تستحق الترحيب ـ من التخطيط لإدخال تحسينات في معاهدة الاستقرار والنمو إلى التدابير التي بشر بها اتفاق "يورو بلاس" (Euro Plus Pact) لتحسين القدرة التنافسية وتعزيز انضباط المالية العامة. لكن الإصلاحات لا تزال أقل قوة من المطلوب لضمان النجاح، والساسة والجماهير لا يزالون مترددين في تجديد تعهداتهم بدعم المشروع الأوروبي. وهناك خطوات إضافية لازمة لكي تؤتي الإصلاحات ثمارها المرجوة.

فحتى تصبح الأزمة وراء ظهورنا، نحتاج إلى أوروبا أكثر وليس أقل. ونحتاج إليها الآن.

* بالإنجليزية