تواجه بلدان التحول العربي تحديات مالية كبيرة. فالمستوى المرتفع للمديونية وعجز المالية العامة يحد من حيز الحركة أمام السياسات بينما زادت احتياجات الإنفاق في سياق من البطالة المرتفعة والطموحات الكبيرة لدى المواطنين تحت وطأة بيئة اقتصادية واجتماعية صعبة. وفي دراسة صدرت مؤخرا بعنوان "نحو آفاق جديدة: التحول الاقتصادي العربي في غمار التحول السياسي"، يناقش صندوق النقد الدولي السبل الممكنة لمعالجة التحديات أمام سياسة المالية العامة في هذه البيئة المحاطة بالتحديات في بلدان التحول العربي (مصر والأردن وليبيا والمغرب وتونس واليمن).

تحديات المالية العامة

واجهت أوضاع المالية العامة في بلدان التحول العربي تحديات كبيرة حتى قبل بداية التحولات التي مرت بها هذه البلدان. وفي حالات كثيرة، كان عجز المالية العامة ومستوى الدين العام أكثر ارتفاعا في هذه البلدان عنه في بلدان الأسواق الصاعدة والبلدان النامية، الأمر الذي يرجع، بدرجات متفاوتة، إلى تكلفة الدعم المعمم على أسعار الغذاء والوقود، وارتفاع أسعار السلع الأولية عالميا، وانخفاض الضرائب، وتطبيق السياسات المالية التوسعية في سياق الأزمة المالية العالمية.

  • خضعت النفقات العامة لهيمنة الإنفاق على الأجور والدعم، الذي استهلك 40% أو أكثر من موازنات معظم بلدان التحول العربي وترك حيزا محدودا للغاية للنفقات الرأسمالية، التي انخفضت مستوياتها في بعض الحالات إلى أقل من نصف المتوسط السائد في بلدان الأسواق الصاعدة والبلدان النامية.
  • ويؤدي ضعف الهيكل الضريبي في العديد من بلدان التحول العربي إلى خفض الإيرادات الضريبية وزيادة عدم المساواة. وفي مثل هذه الحالات، ظلت الإيرادات تعاني من ضعف إجراءات التحصيل، الذي يعزى في جانب كبير منه لارتفاع الإعفاءات الضريبية ومشكلات الامتثال، كما تعزى في بعض البلدان إلى انخفاض معدلات الضريبة على الشركات والتصاعدية المحدودة في ضريبة الدخل مقارنة بالبلدان الصاعدة والنامية الأخرى.

وفي أعقاب الأزمة المالية العالمية، كان كل من بلدان التحول العربي (باستثناء ليبيا) يعاني بالفعل من مستويات الدين المرتفعة أو الآخذة في الارتفاع. وتسببت طفرات الإنفاق في أعقاب "الربيع العربي" في زيادة ارتفاع عجز المالية العامة والدين العام (الشكل البياني 1).

فقد حاولت حكومات بلدان التحول العربي تلبية الاحتياجات الاجتماعية الملحة، ومعالجة التوترات السياسية، والمحافظة على مستويات الطلب الكلي من خلال الاستمرار في زيادة أجور القطاع العام والدعم المعمم (الشكل البياني 2). ومع محدودية الحيز المالي المتاح، تحقق جزء من ذلك على حساب النفقات الرأسمالية، وهو أمر غير مبشر للنمو على المدى المتوسط.

ومع ضيق المجال المتاح لزيادة عجز المالية العامة في كثير من البلدان، ينبغي إعادة توجيه الإنفاق نحو المجالات الداعمة لفرص العمل الجديدة والمعززة للنمو التي تعمل أيضا على تشجيع أنشطة القطاع الخاص، مع حماية الفئات محدودة الدخل من خلال المساعدات الاجتماعية التي توجَّه للمستحقين.

وينبغي أن تتضمن إصلاحات الإنفاق إعادة توجيه الحماية الاجتماعية من الدعم المعمم الذي يتسم بارتفاع التكلفة وعدم الكفاءة إلى التحويلات المباشرة التي تحقق استهدافا أفضل للفقراء والشرائح الضعيفة. وبالإضافة إلى ذلك، سيؤدي احتواء فاتورة الأجور في القطاع العام إلى تخفيض أوجه الجمود في الإنفاق ودعم استراتيجيات المالية العامة المحققة للاستمرارية وخلق فرص العمل في القطاع الخاص.

وينبغي أن تركز تدابير الإيرادات على توسيع القاعدة الضريبية وتحسين كفاءة التحصيل الضريبي. وهناك مجال أمام بعض بلدان التحول العربي أيضا لزيادة التصاعدية الضريبية ومعدلات الرسوم النوعية والضرائب العقارية.

ومن شأن هذه السياسات أن تؤدي معاً إلى زيادة المساواة مع تحرير الموارد الشحيحة لتغطية أولويات الإنفاق على الاستثمار في البنية التحتية والصحة والتعليم، مما يؤدي بدوره إلى توفير فرص عمل جديدة على المدى القريب ودعم آفاق النمو على المدى المتوسط.