بقلم مِن زو

تشهد أسعار المساكن تزايداً بطيئاً في الوقت الحاضر. ولكن هل يدعو هذا الأمر للتفاؤل؟ أم أنه نفس المشهد يتكرر مرة أخري؟ حيث نتذكر الطفرة التي استغرقت عقداً من الزمن وكيف بدأ بعدها هبوط أسعار المساكن في 2006، في الولايات المتحدة أولاً ثم في بلدان العالم الأخرى، الأمر الذى أدى لحدوث الأزمة المالية العالمية في 2008-2009. وفي الواقع ، تشير بحوثنا إلى أن أكثر من ثلثي الأزمات المصرفية الأخيرة التي بلغ عددها 50 أزمة كانت مسبوقة بدورات انتعاش وركود نمطية في أسعار المساكن.

وبينما يمثل تعافي أسواق المساكن (الشكل البياني 1) تطوراً جديراً بالترحيب بكل تأكيد، فإننا نحتاج إلى تجنب موجة جديدة من الانتعاش غير القابل للاستمرار. وقطاع الإسكان قطاع أساسي في اقتصادات البلدان وله انعكاسات كبيرة على الاقتصاد، لهذا السبب نركز عليه في صندوق النقد الدولي ليس على مستوى كل بلد على حدة وحسب، وإنما كذلك على أساس المقارنة بين البلدان المختلفة.

لكن هذه المهمة صعبة لسببين. أولاً، عملية التقييم عندما تكون أسعار المساكن غير متسقة مع أساسيات الاقتصاد هي فن بقدر ما هي علم. وثانياً، لا تزال أدوات السياسة اللازمة لإدارة دورات الإسكان قيد الإنشاء.

ومن أجل تبادل المعلومات بين البلدان المختلفة، وتحليل أسواق الإسكان، والمناقشات حول فعالية استجابة السياسات، أنشأ صندوق النقد الدولي صفحة على شبكة الإنترنت – هي "مرصد أسعار الإسكان العالمي" -  ستقدم نافذة موحدة لبياناتنا عن مؤشرات الإسكان. وسوف يجري تحديث هذه المعلومات بانتظام، بما في ذلك في صورة تحديث ربع سنوي سيصدر في شهر يوليو.

كذلك عقد صندوق النقد الدولي مؤتمرا في شهر نوفمبر الماضي، اشترك في تنظيمه مع بنك الاتحاد الفيدرالي في دالاس، جمع لفيفاً من الخبراء في قطاع الإسكان، وعقد مؤتمراً آخر الأسبوع الماضي، ألقيت فيه كلمة، واستضافه البنك المركزي الألماني.

تحديد سعر عادل

على مدار العام الماضي، أظهر مؤشر الصندوق لأسعار الإسكان العالمي ارتفاعاً في أسعار المساكن في 33 بلداً من مجموع 52 بلداً مدرجة فيه (الشكل البياني 2). فهل تؤدي هذه التطورات إلى تقريب أسعار المساكن من المستوى المتوافق مع أساسيات الاقتصاد أم تتسبب في زيادة ابتعادها عنها؟

وتؤكد النظرية أن أسعار المساكن وإيجاراتها وريعها ينبغي أن تتحرك بالتوازي على المدى الطويل. وإذا خرجت الأسعار والإيجارات عن الخط العام، يبدأ الناس في التنقل فيما بين الشراء والتأجير، الأمر الذي يصل بالاثنين إلى الاتساق في نهاية المطاف. وبالمثل، لا يمكن لأسعار المساكن أن تبتعد كثيراً على المدى الطويل عن قدرة الناس على دفعها – أي أنها لا تتجاوز دخلهم. وهكذا يمكن أن تكون نسب أسعار المساكن إلى الإيجارات والدخول مقياساً مبدئياً لما إذا كانت الأسعار لا تتسق مع أساسيات الاقتصاد.

وما الذي توضحه الأدلة؟ في حالة بلدان "منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي"، التي تتوافر عنها سلاسل زمنية طويلة بما يكفي لأسعار المساكن وإيجاراتها وريعها، تظل هذه النسب أعلى بكثير من المتوسطات التاريخية لأغلبية البلدان. وينطبق هذا على سبيل المثال على أستراليا وبلجيكا وكندا والنرويج والسويد (الشكلان البيانيان 3أ و3ب).

الكشف عن المغالاة في التقييم فن أكثر منه علم

لا تقدم الأدلة على نسب أسعار المساكن إلى الإيجارات ونسب أسعار المساكن إلى الدخل برغم ذلك إلا مؤشراً عاماً للتقييم في سوق المساكن. كذلك يتطلب الحكم على تقييم المساكن معلومات تكميلية، مثل نمو الائتمان، ومديونية الأسر المعيشية، وخصائص المقرضين، وطريقة التمويل.

وفي سياق التقارير المنتظمة التي يعدها صندوق النقد الدولي عن الأوضاع الاقتصادية في البلدان الأعضاء –  ما نُسميه تقارير مشاورات المادة الرابعة – غالباً ما تقدم فرق العمل القُطْرية تقييماً لأسواق المساكن، وتولى اهتماماً متزايداً لنمو الائتمان، إلى جانب عدة سمات أخرى ذات خصوصية قُطرية تتميز بها سوق المساكن. وفي بعض الحالات، تشير هذه التحليلات الأكثر تفصيلاً إلى أن التقييم المفرط أقل بكثير مما تشير إليه نسب أسعار المساكن إلى الدخل وأسعار المساكن إلى الإيجارات. ففي بلجيكا على سبيل المثال، خلص الصندوق إلى أن مخاطر التصحيح الحاد في أسعار العقارات تبدو محدودة رغم نسب التقييم المرتفعة. وتشير هذه العوامل القُطْرية المتعلقة بدورات الإسكان إلى أن رد فعل السياسة لا يمكن أن يكون رد فعل موحد يناسب الجميع.

إنشاء مجموعة أدوات للسياسة

ينطوي تنظيم قطاع الإسكان على مجموعة سياسات معقدة. وقد اقترح الاقتصادي البارز أفيناش ديكسيت أن نستخدم الاختصارات “MiP, MaP, MoP” للدلالة على السياسة الاحترازية الجزئية، والسياسة الاحترازية الكلية، والسياسة النقدية، على الترتيب.

وتهدف السياسة الاحترازية الجزئية إلى ضمان صلابة كل مؤسسة من المؤسسات المالية، وهي سياسات ضرورية لسلامة النظام المالي ولكنها قد لا تكون كافية، ففي بعض الأحيان، من الممكن أن تتسبب الإجراءات الملائمة على مستوى المؤسسات المنفردة في زعزعة استقرار النظام ككل.

إذن نحن نحتاج أيضاً إلى سياسات احترازية كلية ترمي إلى تعزيز صلابة النظام ككل. وقد كانت الحدود على نسب القرض إلى القيمة ونسب الدين إلى الدخل ومتطلبات رأس المال القطاعية هي أهم أدوات السلامة الاحترازية الكلية المستخدمة لاحتواء طفرات أسواق المساكن (الشكل البياني 4). ففرضت منطقة هونغ كونغ الصينية الإدارية الخاصة حدوداً قصوى لنسبة القرض إلى القيمة ولنسبة الدين إلى الدخل منذ تسعينات القرن الماضي، واستحدثتها كوريا منذ الألفينات، وبدأ أكثر من 20 اقتصاداً متقدما وصاعداً يحذو حذوهما أثناء الأزمة المالية العالمية وبعدها.

وهناك أداة أخرى للسلامة الاحترازية الكلية وهي فرض متطلبات رأسمالية أكثر صرامة على القروض المقدمة لقطاع محدد مثل القطاع العقاري. وتفرض هذه الأداة على البنوك حيازة قدر أكبر من رأس المال في مقابل القروض، مما يثنيها عن التعرض الشديد لمخاطر هذا القطاع. وفي كثير من الاقتصادات المتقدمة - مثل آيرلندا والنرويج وإسبانيا – واقتصادات الأسواق الصاعدة – مثل إستونيا وبيرو وتايلند -  تمت زيادة أوزان مخاطر كفاية رأس المال على القروض العقارية التي تتسم بارتفاع نسب القرض إلى القيمة.

وبرغم أن الأدلة حتى الآن تشير إلى أن للسياسات الاحترازية الكلية دوراً فعالاً على المدى القصير في تهدئة أسواق المساكن، من الواضح أن شحذها لا يزال عملاً قيد الإنجاز.

وأخيراً، لدينا السياسة النقدية، التي تنطوي على قيام البنوك المركزية برفع أسعار الفائدة إذا رغبت في تهدئة قطاع الإسكان. وبينما السياسية النقدية يمكن أن تكون أداة مهمة في كثير من الحالات في دعم السياسات الاحترازية الكلية، فالتوزيع الأمثل للمسؤوليات بين السياسة الاحترازية والسياسة النقدية يظل من المسائل التي يدور حولها الكثير من النقاش. ومن الواضح برغم ذلك أنه سيتعين على السياسة النقدية أن تُعنى بقدر أكبر مما كانت تفعل من قبل بالاستقرار المالي ومن ثم بأسواق الإسكان.

ولا تزال أدوات احتواء حالات الانتعاش في أسواق المساكن قيد الإنشاء. وقد بدأ تراكم الأدلة حول فعاليتها منذ فترة قصيرة فحسب. ويمكن أن تكون التفاعلات بين مختلف أدوات السياسة معقدة. ولكن كل ذلك ينبغي ألا يكون مبررا للسلبية. فالاستخدام المتضافر لأدوات متعددة قد يتغلب على النواقص في أي أداة سياسة منفردة. ونحن بحاجة إلى الانتقال من "التجاهل الحميد" إلى منهج يأخذ في الاعتبار "كل ما سبق ذكره" من خيارات السياسة المتاحة.