بقلم كريستين لاجارد

في طريق عودتي من عمّان، حيث اختتمنا أعمال مؤتمر حول مستقبل بلدان التحول العربي، أشعر بحماس لما لمسته من روح التفاؤل خلال فعاليات المؤتمر. ففي أعقاب زيارتي إلى المغرب، أتيحت لي فرصة كبيرة خلال اليومين الماضيين لفهم طبيعة مواطني هذه المنطقة الرائعة وما يواجههم من تحديات.

ولم تبدأ زيارتي إلى الأردن في قاعة للمؤتمرات، بل بدأت في معسكر الزعتري للاجئين. ويأوي هذا المعسكر حالياً – وبصفة مؤقتة حسبما نأمل – أكثر من 100 ألف مواطن سوري ممن فروا من الصراع الدامي الدائر في وطنهم. وقد رأيت على أرض الواقع كيف يعيش هؤلاء اللاجئين في ظروف بالغة الصعوبة – وكيف تتضامن المنطقة والمجتمع الدولي في هذا الإطار. فمن دواعي الشعور بالأمل أن نرى كيف أدى كرم الضيافة الأردني والدعم الدؤوب من وكالات الأمم المتحدة وغيرها من منظمات المعونة إلى منع تدهور وضع يتسم أصلاً بالتردي. لكن تبقى الحاجة ماسة لمزيد من المساعدة. ونحن في صندوق النقد الدولي نقوم بدورنا في هذا الشأن، بتقديم الدعم المرن للأردن في هيئة قرض بمبلغ 2.1 مليار دولار.  

كريستين لاجارد، مدير عام صندوق النقد الدولى، تتحدث إلى احدى السيدات فى مخيم الزعترى للاجئين السوريين فى الأردن.

وليست سورية هي القضية الوحيدة التي تشغل بال صناع السياسات والمجتمعات في أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فبعد أكثر من ثلاث سنوات من بدء التحولات السياسية، يدور النقاش حول الرؤية الاقتصادية لهذه المنطقة في المستقبل. ونحن في صندوق النقد الدولي نقدم الدعم في هذا المجال أيضاً – ولا يقتصر ذلك على تقديم التمويل والمشورة، وإنما بتيسير إجراء المناقشات أيضاً حول هذه القضايا المهمة بين البلدان المختلفة وداخل كل منها. وكانت هذه هي الفكرة وراء عقد المؤتمر الذي نظمناه بالتعاون مع حكومة الأردن والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي.

رؤية قوية ومشتركة

كان هذا المؤتمر فريداً من نوعه، حيث ضم مشاركين من كافة بلدان المنطقة، ومن المنظمات الدولية والبلدان المانحة. ومن كل بلد تألف الحضور من طوائف متنوعة من كبار صناع السياسات إلى رواد الأعمال، ومنظمات المجتمع المدني، والدوائر الأكاديمية، والشباب. وكان القطاع غير الحكومي يمثل نصف عدد المشاركين الذي بلغ 300 مشارك تقريباً. وقد شعرت أثناء استماعي لمناقشاتهم أنني ألمس تقدماً حقيقياً يتحقق في جدول أعمال معني بمستقبل هذه المنطقة. 

كريستين لاجارد، مدير عام صندوق النقد الدولى، تتحدث إلى بعض التلاميذ فى مدرسة بمدينة المفرق، الأردن.

وقد أثمرت الحلقات التطبيقية في اليوم الأول من المؤتمر الكثير من الاقتراحات العظيمة. وانطلاقاً من رغبتنا في إعطاء فرصة لكل مشارك للتعبير عن رأيه، أنشأنا آلية للتصويت تسمح لكل المشاركين – من الوزير إلى القيادي الشاب – باختيار ثلاث موضوعات تأتي على رأس أولوياتهم. وها هي النتائج. واسمحوا لي أن أسلط الضوء على بعض الأفكار التي لفتت انتباهي:

  • ففي مجال الاقتصاد الكلي، كانت هناك رسالة واضحة حول حاجة كل بلد لرؤية قوية، والأهم من ذلك أن تكون مشتركة، لأن هذا ما يشجع حشد التأييد لتوفير فرص العمل ورفع مستويات المعيشة. وعلى مستوى فني أعلى، أن هناك ضرورة لتغيير عناصر الإنفاق الحكومي بهدف زيادة المساواة ورفع الكفاءة – وفي نهاية المطاف تحقيق نمو أكثر احتواء لمختلف شرائح المواطنين. وهذا يعني زيادة أعداد المدارس وتخفيض الدعم الذي يستفيد منه أساساً من هم ليسوا بحاجة إليه.
  • ومن العوامل الأساسية أيضاً، توفير فرص العمل، وخاصة للشباب. فقد أصاب المتحدثون بتسليطهم الضوء على أهمية تطوير الأنظمة التعليمية التي تؤدي إلى توفير الفرص الوظيفية المنتجة، وضرورة  وضع القواعد المنظمة لسوق العمل التي تحمي العمالة بدون تقييد غير مبرر لأصحاب العمل، وتحسين مناخ الأعمال.
  • وكانت الشفافية والحوكمة من الموضوعات الحيوية الأخرى. وبصفتي محامية سابقة، فقد سررت بالدعوة إلى تعزيز النظم القضائية وتحسين إنفاذ القواعد التنظيمية. فلا بد من مساءلة الدولة أمام مواطنيها – بنشر معلومات الموازنة على شبكة الإنترنت، على سبيل المثال.
  • وأخيراً، فإن الوظائف والنمو والمساواة تقتضي ازدهار القطاع الخاص. وهذا يعني تحسين مناخ الأعمال. فهناك الكثير مما ينبغي عمله للتحول من نظام قائم على إتاحة الفرص لأصحاب الحظوة والمحسوبية إلى نظام قائم على المنافسة. فلنبدأ بتبسيط الإجراءات البيروقراطية لإنشاء الشركات، وزيادة فرص الحصول على الائتمان، ووضع أطر للإعسار المالى أقل اجحافاً. 

تنفيذ جدول أعمال الإصلاح

ومن أبرز فعاليات المؤتمر بالنسبة لي بصفة خاصة لقائي بالفائزين في حملة "الشباب العربي" التي نظمها الصندوق– حيث التقيت بأربعة من الشابات والشبان المتميزين من الأردن واليمن ومصر ولبنان. وانتابني شعور بالتفاؤل وأنا أستمع إلى آرائهم حول كيفية دعم اقتصادات المنطقة لجيلهم.

إذن ما الذي ينبغي عمله الآن؟ فالأفكار ذات جودة عالية، وقد أثمر المؤتمر كثيراً منها. والآن يبدأ الجزء الصعب، أي التنفيذ. فقد اتفقنا على ضرورة المضي قدماً بتنفيذ جدول الأعمال في كل بلد، مع مراعاة الخصوصيات القُطرية لكل منها.   

وأعتقد أن هناك إدراكاً جديد بضرورة تكثيف الحكومات ما تبذله من جهود بالفعل، وأن يكون ذلك على نحو موسع وعاجل. ونحن في صندوق النقد الدولي على استعداد لمد يد العون بالمشورة والمساعدة الفنية والتمويل. 

كريستين لاجارد، مدير عام صندوق النقد الدولى، تتحدث إلى احدى الفتيات بمدرسة فى مدينة المفرق، الأردن.